تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
على جمع مياه الأمطار بمقادير كبيرة حتى بعد نزوله ، وأنّ اللَّه عزّ وجلّ هو الذي يحفظها ويخزنها على قمم الجبال بهيئة ثلوج ، أو ينزلها في أعماق الأرض لتكون بعد ذلك عيوناً وآباراً . ثم ينتقل من مظاهر توحيد اللَّه إلى المعاد ومقدماته : « وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ » . فيذكر مسألة الحياة والموت التي تعتبر من أهمّ المقدمات لبحث موضوع المعاد ، إضافة لكون هذه المسألة من مكمّلات موضوع التوحيد ، بالإضافة إلى أنّ وجود الحياة والموت بحد ذاته دليل على أنّ موجودات هذا العالم لا تملك زمام أنفسها ناهيك عمّا هو بأيديها ، وأنّ الوارث الحقيقي لكل شيء هو اللَّه تعالى . ثم يضيف : « وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتْخِرِينَ » . أي : نحن على علم بهم وبما يعملون ، وإنّ أمر محاسبتهم وجزائهم في المعاد علينا سهل يسير . ولهذا نرى الآية التي تليها : « وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ » . مرتبطة تماماً مع ما قبلها ومتمّمة من خلال طرحها مسألة ما سيكون بعد الموت . . . فحكمة الباري أوجبت أن لا يكون الموت نهاية لكل شيء . فلو أنّ الحياة انحصرت بهذه الفترة الزمنية المحدودة وينتهي كل شيء بالموت لكانت عملية الخلق عبثاً ، وهذا غير معقول ، لأنّه تعالى منزّه عن العبث . فالحكمة الإلهية اقتضت من « حياة الدنيا أن تكون مرحلة استعداد لمسيرة دائمة نحو المطلق » . وأمّا كونه سبحانه عليماً فهو عليم بصحائف أعمال الجميع المثبتة في قلب هذا العالم الطبيعي من جهة ، وكذلك في اعماق وجود الانسان من جهة أخرى ، ولا تخفى عليه خافية يوم يقوم الحساب . وكونه سبحانه الحكيم العليم في هذا المورد دليل قوي وعميق الغور على مسألة الحشر والمعاد . إنّ كلمة « المستقدمين » و « المستأخرين » لهما معنيان واسعان يشملان المتقدمين والمتأخرين من حيث الزمان ، وكذلك من حيث أعمال الخير والجهاد وحتى الحضور في الصفوف المتقدمة لصلاة الجماعة وما شابهها .