تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
رجوع الاخوة إلى أبيهم خائبين : حاول الاخوة أن يستنقذوا أخاهم بنيامين بشتّى الطرق ، إلّاأنّهم فشلوا في ذلك ، ورأوا أنّ جميع سبل النجاة قد سدّت في وجوههم ، استولى عليهم اليأس وصمّموا على الرجوع والعودة إلى كنعان لكي يخبروا أباهم ، يقول القرآن واصفاً إيّاهم « فَلَمَّا اسْتَيَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا » . أي : إنّهم بعد أن يئسوا من عزيز مصر أو من إنقاذ أخيهم ، إبتعدوا عن الآخرين واجتمعوا في جانب وبدأوا بالتشاور والنجوى فيما بينهم . قوله تعالى « خلصوا » : بمعنى الخلوص ، وهو كناية عن الابتعاد عن الآخرين والاجتماع في جلسة خاصه ، أمّا قوله تعالى « نجيّاً » : فهو من مادّة « المناجاة » وأصله من « نجوة » بمعنى الربوة والأرض المرتفعة ، فباعتبار أنّ الربوات منعزلة عن أراضيها المجاورة ، سمّيت الجلسات الخاصة البعيدة عن عيون الغرباء والحديث في السر قياساً عليها ب « النجوى » . وفي ذلك الاجتماع الخاص خاطبهم الأخ الكبير قائلًا : « قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ » بأن تردّوا إليه بنيامين سالماً ، فالآن بماذا تجيبونه ؟ وقد سوّدنا صفحتنا في المرّة السابقة بما عاملنا به أخانا يوسف « وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ » فالآن والحالة هكذا ، فإنّني لا اغادر أرض مصر وسوف أعتصم فيها « فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِى أَبِى أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِى وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ » . والظاهر أنّ قصده بحكم اللَّه ، إمّا الموت الذي هو حكم إلهي ، أي لا أبرح من هذه الأرض حتى أموت فيها ، وإمّا أن يفتح اللَّه سبحانه وتعالى له سبيلًا للنجاة ، أو عذراً مقبولًا عند أبيه . ثم أمرهم الأخ الأكبر أن يرجعوا إلى أبيهم ويخبروه بما جرى عليهم « ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ » . وهذه شهادة نشهدها بمقدار علمنا عن الواقعة حيث سمعنا بفقد صواع الملك ، ثمّ عثر عليه عند أخينا ، وظهر للجميع إنّه قد سرقها « وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا » ولكن نحن لا نعلم إلّاما شهدناه بأعيننا وهذا غاية معرفتنا « وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ » . ثم أرادوا أن يزيلوا الشك والريبة عن قلب أبيهم فقالوا يمكنك أن تتحقق وتسأل من المدينة التي كنا فيها « وَسَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا » « 1 » . ومن القافلة التي سافرنا معها إلى مصر
هامش
( 1 ) « القرية » : يشمل جميع الأرياف والمدن والقرى الصغيرة منها والكبيرة . والمقصود منها في الآية هي مصر .
مختصر الامثل — صفحة 476 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي