من هذا المنطلق جاء ليوسف يوماً هذان الفتيان اللذان يقال : إنّ أحدهما كان ساقياً في بيت الملك ، والآخر كان مأموراً للطعام والمطبخ ، وبسبب وشاية الأعداء وسعايتهم بهما دخلا السجن بتهمة التصميم لسمّ الملك ، وتحدّث كل منهما عن رؤيا رآها الليلة الفائتة وكانت بالنسبة له أمراً عجيباً .
« قَالَ أَحَدُهُمَا إِنّى أَرَينِى أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْأَخَرُ إِنّى أَرَينِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ » . ثم أضافا : « نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَيكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » .
فقد إغتنم يوسف مراجعة السجينين له لتعبير الرؤيا - وكان لا يدع فرصة لإرشاد السجناء ونصحهم - وبحجة التعبير كان يبيّن حقائق مهمة تفتح لهم السُبل ولجميع الناس أيضاً .
في البداية ، ومن أجل أن يستلفت اهتمامهما وإعتمادهما على معرفته بتأويل الأحلام الذي كان مثار اهتمامهما وتوجّههما « قَالَ لَايَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا » .
ثم إنّ يوسف أضاف إلى كلامه مقروناً بالإيمان باللَّه والتوحيد الجاري بجميع أبعاده في أعماق وجوده ، ليبيّن بوضوح أن لا شيء يتحقق إلّابإرادة اللَّه قائلًا : « ذلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى » ولئلا يتصور أنّ اللَّه يمنح مثل هذه الأمور دون حساب ، قال : « إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْأَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ » .
والمقصود بهذه الملة أو الجماعة هم عبدة الأصنام بمصر أو عبدة الأصنام من كنعان .
وينبغي لي أن أترك مثل هذه العقائد لأنّها على خلاف الفطرة الإنسانية النقية ، ثم إنّي تربّيت في أسرة الوحي والنبوة « وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَاءِى إِبْرهِيمَ وَإِسْحقَ وَيَعْقُوبَ » .
ثم يضيف على نحو التأكيد : « مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ » . لأنّ اسرتنا أسرة التوحيد . . . أسرة إبراهيم محطّم الأصنام « ذلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ » . وهي الموهبة العامة التي تشمل جميع عباد اللَّه المودعة في أرواحهم المسمّاة بالفطرة حيث يتكاملون بقيادة الأنبياء « وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَشْكُرُونَ » .
مختصر الامثل — صفحة 459
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٥٩