السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . فهو يسمع نجوى عبيده ، وهو مطلع على أسرارهم ، ويعرف طريق الحلّ لهم .
ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ( 35 ) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 36 ) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ( 37 ) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ( 38 ) السجن بسبب البراءة : انتهى المجلس العجيب لنسوة مصر مع يوسف في قصر العزيز في تلك الغوغاء والهياج ، فإنّ الخوف من فضيحة جنسية في أسرة العزيز كان يزداد يوماً بعد يوم . فكان الرأي بعد تبادل المشورة بين العزيز ومستشاريه هو إبعاد يوسف عن الأنظار لينسى الناس اسمه وشخصه ، وأحسن السبل لذلك إيداعه قعر السجن المظلم أوّلًا ، وليشيع بين الناس أنّ المذنب الأصلي هو يوسف ثانياً ، لذلك يقول القرآن في هذا الصدد : « ثُمَّ بَدَا لَهُم مّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْأَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ » .
أجل . . . في المحيط المنحرف تكون الحرية من نصيب المنحرفين وليست الحرية وحدها من نصيبهم فحسب ، . . . بل إنّ الأفراد النجباء كيوسف ينبغي أن يقبعوا في زاوية النسيان . . .
ولكن إلى متى ؟ هل تستمر هذه الحالة ؟ . . . قطعاً لا . . . .
ومن جملة السجناء الداخلين مع يوسف فتيان « وَدَخَلَ مَعَهُ السّجْنَ فَتَيَانِ » .
وحيث إنّ الظروف لم تكن تسمح للإنسان أن يحصل فيها على الأخبار بطريق عادي ، فإنّه يأنس لأحاسيس الآخرين ليبحث عن مسير الحوادث ويتوقّع ما سيكون ، حتى أنّ الرؤيا وتعبيرها عنده يكون مطلباً مهماً .
مختصر الامثل — صفحة 458
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٥٨