تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
قوم لوط وحياة الخزي : مرّت في آيات من سورة الأعراف إشارة إلى شيء من مصير قوم لوط ، وفسّرنا ذلك في محلّه ، وهنا يتناول القرآن الكريم - وبمناسبة ما ذكره من قصص الأنبياء وأقوامهم وبما ورد في الآيات المتقدمة عن قصة لوط وقومه - قسماً آخر من حياة هؤلاء القوم المنحرفين الضالين ليتابع بيان الهدف الأصلي ألا وهو سعادة المجتمع الإنساني ونجاته بأسره . يبيّن القرآن الكريم في هذا الصدد أوّلًا . . . أنّه لما جاءت رسلنا لوطاً طار هلعاً وضاق بهم ذرعاً وأحاط به الهمّ من كل جانب « وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا » . وقد ورد في الروايات الإسلامية أنّ لوطاً كان في مزرعَته حيث فوجىء بعدد من الشباب الوسيمين الصِباح الوجوه قادمون نحوه وراغبون في النزول عنده ولرغبته باستضافتهم من جهة ، ولعلمه بالواقع المرير الذي سيشهده في مدينته الملوّثة بالانحراف الجنسي من جهة أخرى ، كل ذلك أوجب له الهم . . . ومرّت هذه المسائل على شكل أفكار وصور مرهقة في فكره ، وتحدث مع نفسه « وَقَالَ هذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ » ، لاحتمال الفضيحة والتورط في مشاكل عويصة . « سيىء » : مشتقة من ساء ، ومعناها عدم الارتياح وسوء الحال ؛ و « الذرع » : تعني « القلب » على قول ؛ وكلمة « عصيب » : مشتقة من « العصب » ومعناه ربط الشيء بالآخر وشده شدّاً محكماً ، وبما انّ الحوادث الصعبة تشدّ الإنسان وكأنّها تسلبه راحته فيظل مبلبل الأفكار سُميت « عصيبة » وتطلق العرب على الأيام شديدة الحر أنّها عصيبة أيضاً . وورد في بعض الروايات أنّ لوطاً أخّر ضيوفه كثيراً حتى حلول الليل ، فلعله يستطيع أن يحفظ ماء وجهه من شرور قومه ، ويقوم بواجب الضيافة دون أن يُساء إلى أضيافه ، ولكن ما عسى أن يفعل الإنسان إذا كان عدوه داخل بيته ، وكانت امرأة لوط امرأة كافرة وتساعد قومه الظالمين ، وقد اطلعت على ورود هؤلاء الأضياف إلى بيتها ، فصعدت إلى أعلى السطح وصفقت بيديها أوّلًا ، ثم بإشعال النار وتصاعد الدخان أعلمت جماعة من هؤلاء القوم بأنّ طعمة دسمة قد وقعت في « الشِباك » . يقول القرآن الكريم في هذا الصدد : « وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ » « 1 » . وكانت حياة هؤلاء
هامش
( 1 ) « يُهرعون » : مشتقّة من الإهراع ومعناها السياقة الشديدة ، فكأنّما تسوق غريزة هؤلاء إيّاهم بشدّة إلىأضيافه .
مختصر الامثل — صفحة 410 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي