تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
هؤلاء الرُسل « الملائكة » فأخذ يجادلهم ويتحدث معهم في أمرهم « فَلَمَّا ذَهَبَ عَن إِبْرهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ » « 1 » . وهنا يمكن أن ينقدح هذا السؤال ، وهو : لِمَ تباحث إبراهيم عليه السلام مع رسل اللَّه وجادلهم في قوم آثمين ظالمين - كقوم لوط - وقد أمروا بتدميرهم ، في حين أنّ هذا العمل لا يتناسب مع نبيّ ، خاصة إذا كان إبراهيم عليه السلام في عظمته وشأنه ؟ لهذا فإنّ القرآن يعقّب مباشرة في الآية عن شفقة إبراهيم وتوكله على اللَّه فيقول : « إِنَّ إِبْرهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ » « 2 » . هذه الاصاف الثلاث المجملة جواب على السؤال المشار إليه آنفاً . وتوضيح ذلك : إنّ هذه الصفات المذكورة لإبراهيم تشير إلى أنّ مجادلته كانت ممدوحة ، وذلك لأنّ إبراهيم لم يتّضح له أنّ أمر العذاب صادر من قبل اللَّه بصورة قطعية ، ويحتمل أنّهم سيرتدون عن غيهم ويتّعظون ، ومن هنا فما زال هناك مجال للشفاعة لهم . . . . وتقول الآية التالية : إنّ الرسل قالوا لإبراهيم - مباشرةً - أن أعرض عن اقتراحك لأنّ أمر ربّك قد تحقق والعذاب نازل لا محالة . « يَا إِبْرهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ » . والتعبير ب « ربّك » لا يدل على أنّ هذا العذاب خال من الطابع الانتقامي فحسب ، بل يدل أيضاً على أنّه علامة لتربية العباد وإصلاح المجتمع الإنساني . وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ( 77 ) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ( 78 ) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ( 79 ) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ( 80 )
هامش
( 1 ) « روع » : على وزن « نوع » معناها « الخوف والوحشة » وكلمة « روع » على وزن « نوح » معناها « الروح » أو قسم منها الذي هو محل الخوف ومركزه ، لمزيد الإيضاح تراجع المعاجم اللغوية . ( 2 ) « الحليم » : مشتق من « الحلم » وهو : الأناة والصبر في سبيل الوصل إلى هدف مقدس ، والأواه في الأصل : كثير التحسر والآه سواء من الخوف من المسؤولية التي يحملها أو من المصائب ، والمنيب من الإنابة أي الرجوع .