وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ( 8 ) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ( 9 ) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ( 10 ) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 11 ) وهذا معيار وميزان لمعرفة القادة الصادقين من غيرهم الذين يتحيّنون الفرص ويهدفون إلى تأمين المنافع المادية في كل خطوة يخطونها سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر .
ويعقب نوح عليه السلام بعد ذلك في ردّه على مقولة طرد المؤمنين به من الفقراء والشباب فيقول بصورة قاطعة : « وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُوا » . لأنّهم سيلاقون ربّهم ويخاصمونني في الدار الآخرة « إِنَّهُمْ مُّلقُوا رَبّهِمْ » .
ثم تُختتم الآية ببيان نوح لقومه بأنّكم جاهلون « وَلكِنّى أَرَيكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ » . وأيّ جهل وعدم معرفة أعظم من أن تضيعوا مقياس الفضيلة وتبحثون عنها في الثروة والمال الكثير والجاه والمقام الظاهري .
ثمّ أنتم تتصورون - بجهلكم - أن يكون النبي من الملائكة ، في حين ينبغي أن يكون قائد الناس من جنسهم ليحسّ بحاجاتهم ويعرف مشاكلهم وآلامهم .
وفي الآية التي بعدها يقول لهم موضحاً : إنّني لو طردت من حولي فمن ينصرني من عدل اللَّه يوم القيامة وحتى في هذه الدنيا « وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ » .
فطرد المؤمنين الصالحين ليس بالأمر الهيّن ، إذ سيكونون خصومي يوم القيامة بطردي لهم ، ولا أحد هناك يستطيع أن يدافع عنّي ويخلصني من عدل اللَّه ، ولربّما أصابتني عقوبة اللَّه في هذه الدنيا ، أم أنّكم لا تفكرون في أنّ ما أقوله هو الحقيقة عينها « أَفَلَا تَذَكَّرُونَ » .
وآخر ما يجيب به نوح قومه ويردّ على إشكالاتهم الواهية . . . إنّكم إذا كنتم تتصورون أن لي امتيازاً آخر غير الإعجاز الذي لديّ عن طريق الوحي فذلك خطأ ، وأقول لكم بصراحة : « وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ » . ولا أستطيع أن أحقق كل شيءٍ أريده وكل عمل أطلبه ، حيث تحكي الآية عن لسانه « وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ » . ولا أقول لكم إنّني مطلع على الغيب « وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ » . ولا أدعي أنّني غيركم كأن أكون من الملائكة مثلًا « وَلَا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ » فهذه الادّعاءات الفارغة والكاذبة يتذرع بها المدّعون الكذبة ، وهيهات أن يتذرع بها الأنبياء الصادقون .
وفي ذيل الآية يكرر التأكيد على المؤمنين المستضعفين بالقول : « وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا » ، بل على العكس تماماً ، فخير هذه الدنيا وخير الآخرة لهم وإن كانوا حُفاة لخلوّ أيديهم من المال والثروة فأنتم الذين تحسبون الخير منحصراً في المال والمقام والسن ، تجهلون الحقيقة ومعناها تماماً .
مختصر الامثل — صفحة 388
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٨٨