« حفظة » : جمع « حافظ » وهم هنا الملائكة الموكّلون بحفظ أعمال الناس .
ثم يبين القرآن الكريم أنّ حفظ الأعمال يستمر حتى نهاية الأعمار وحلول الموت :
« حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَايُفَرّطُونَ » .
وتبين الآية في النهاية أنّ هؤلاء الملائكة الذين يحفظون حساب أعمال البشر ، فهم في حفظهم للحساب لا يصدر منهم أدنى تقصير أو قصور ، والآية تركّز على هذا القسم بالذات .
في الآية الأخيرة يشير القرآن الكريم إلى آخر مراحل عمل الإنسان ، فيقول : « ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلهُمُ الْحَقِّ » . أي عادوا إلى اللَّه بعد أنّ طووا مرحلة حياتهم ، واختتم ملفُّهم الحاوي على كل شيء .
وفي تلك المحكمة يكون النظر في القضايا وإصدار الأحكام بيد اللَّه : « أَلَا لَهُ الْحُكْمُ » .
وعلى الرغم من كل تلك الأعمال والملفّات المتراكمة عن أفراد البشر طوال تاريخهم الصاخب فإنّ اللَّه سريع في النظر فيها : « وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ » .
روي في تفسير مجمع البيان عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّه سُئل كيف يحاسب اللَّه الخلق ولا يرونه ؟ قال : كما يرزقهم ولا يرونه . وروي « أنّه سبحانه يحاسب جميع عباده على مقدار حلب شاة » . أي إنّ ذلك لا يتجاوز فترة حلب شاة .
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 63 ) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ( 64 ) النور الذي يضيء في الظلام : مرّة أخرى يأخذ القرآن بيد المشركين ويتوغّل بهم إلى أعماق فطرتهم ، وهناك في تلك الأغوار المحفوفة بالأسرار الغامضة يريهم نور التوحيد وعبادة الواحد الأحد ، فيقول للنبي صلى الله عليه وآله قل لهم : « قُل مَن يُنَجّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرّ وَالْبَحْرِ » .
إنّ الظلام يكون حسياً أحياناً ومعنوياً أحياناً أخرى ، الظلام الحسي هو الذي يكون عند انقطاع النور إنقطاعاً تاماً ، أو يضعف بحيث لا يرى شيء ، أو يرى بالجهد الجهيد ، والظلام المعنوي هو المشاكل والصعوبات ذات النهايات المظلمة الغامضة .
وإذا حدثت في هذا الظلام حوادث واقعية مرعبة ، كأن يكون الإنسان مسافراً في البحر ،
مختصر الامثل — صفحة 35
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٥