وهي تشرح ما اجملته الآيات السابقة . تشرع الآية في الكلام على علم اللَّه فتقول : « وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَايَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ » .
« مفاتح » : جمع « مفتح » ( بكسر الميم وفتح التاء ) وهو المفتاح .
ثم لتوكيد ذلك أكثر يقول : « وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرّ وَالْبَحْرِ » .
« البرّ » : كل مكان واسع فسيح ، وتطلق على اليابسة ؛ و « البحر » : كذلك تعني المحل الواسع الذي يتجمّع فيه الماء ، وتطلق على البحار والمحيطات وعلى الأنهر العظيمة أحياناً . فالقول بأنّ اللَّه يعلم ما في البرّ والبحر ، كناية عن إحاطته بكل شيء .
فهو عالم بحركة آلاف الملايين من الكائنات الحيّة ، الكبيرة والصغيرة ، في أعماق البحار .
وهو عالم بعدد خلايا جسم الإنسان وكريات دمه .
وهو عالم بكل الحركات الغامضة في الإلكترونات في قلب الذّرة .
وهو عالم بكل الأفكار التي تمرّ بتلافيف أدمغتنا حتى أعماق أرواحنا . . . نعم إنّه عالم بكل ذلك على حد سواء .
لذلك فإنّه يؤكد ذلك مرّة أخرى فيقول : « وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا » . أي إنّه يعلم عدد الأوراق ولحظة انفصال كل ورقة عن غصنها وطيرانها في الهواء ، حتى لحظة استقرارها على الأرض ، كل هذا جلي أمام علم اللَّه .
كذلك لا تختفي حبّة بين طيّات التراب إلّاويعلمها اللَّه ويعلم كل تفاصيلها : « وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ » .
التركيز هنا على نقطتين حسّاستين لا يمكن أن يتوصل إليهما الإنسان حتى لو أمضى ملايين السنين من عمره يرتقي سلّم الكمال في صنع أجهزته وأدواته المدهشة .
ترى من ذا الذي يستطيع أن يعرف كم تحمل الرياح معها في هبوبها على مختلف أصقاع الأرض في الليل والنهار ، من أنواع البذور المنفصلة عن نباتاتها ؟
أيّ دماغ الكتروني هذا الذي يستطيع أن يحصي عدد أوراق الشجر التي تسقط كل يوم من أشجار الغابات ؟ انظر إلى غابة من الغابات في الخريف ، وتطلّع إلى مشهد سقوط الأوراق المتواصل البديع ، عندئذٍ تتكشف لك هذه الحقيقة ، وهي أنّ علوماً من هذا القبيل لن تكون يوماً في متناول يد الإنسان .
إنّ سقوط الورقة - في الحقيقة - هو لحظة موتها ، بينما سقوط البذرة في مكمنها من الأرض
مختصر الامثل — صفحة 33
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٣