أحدهما : الحفاظ على الظاهر والحيلولة دون هتك الأستار وفضح أسرار الناس .
والثاني : في مرحلة العمل ، فقد كان صلى الله عليه وآله في البداية يسمع من كل أحد ، ولا ينكر على أحد ظاهراً ، أمّا في الواقع العملي فإنّه لا يعتني ولا يقبل إلّاأوامر اللَّه واقتراحات وكلام المؤمنين المخلصين ، والقائد الواقعي يجب أن يكون كذلك فإن تأمين مصالح المجتمع لا يتم إلّا عن هذا الطريق ، لذلك عبر عنه بأنّه رحمة للمؤمنين : « وَرَحْمَةٌ لّلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ » .
بقي هنا شيء واحد ، وهو أنّ هؤلاء الذين يؤذون النبي صلى الله عليه وآله بكلامهم ويتتبعون أحواله لعلّهم يجدون عيباً يشهّرون به يجب أن لا يتصوروا أنّهم سوف يبقون بدون جزاء وعقاب ، ولهذا قال تعالى في نهاية الآية : « وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » .
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ( 62 ) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ( 63 )
سبب النّزول
في تفسير مجمع البيان : لمّا نزلت الآيات التي ذمت المتخلفين عن غزوة تبوك ووبختهم قالوا المنافقين : لئن كان ما يقول محمّد حقّاً فنحن شرٌّ من الحمير ، وكان عندهم غلام من الأنصار يقال له عامر بن قيس ، فقال : واللَّه إنّ ما يقول محمّد حق ، وأنتم شرٌّ من الحمير ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا أنّ عامراً كذّاب ، فنزلت الآية .
التّفسير
المنافقون والتظاهر بالحق : إنّ إحدى علامات المنافقين وأعمالهم القبيحة والتي أشار إليها القرآن مراراً هي إنكارهم الأعمال القبيحة والمخالفة للدين والعرف ، وهم إنّما ينكرونها من أجل التغطية على واقعهم السيء وإخفاء الصورة الحقيقية لهم ، ولما كان المجتمع يعرفهم ويعرف كذبهم في هذا الإنكار فقد كانوا يلجؤون إلى الأيمان الكاذبة من أجل مخادعة الناس وإرضائهم .
وفي الآيات السابقة الذكر نرى أنّ القرآن المجيد يكشف الستار عن هذا العمل القبيح ليفضح هؤلاء من جهة ، ويحذّر المسلمين من تصديق الأيمان الكاذبة من جهة أخرى . في البداية يخاطب القرآن الكريم المسلمين وينبههم إلى أنّ هدف هؤلاء من القَسَم هو إرضاؤكم « يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ » .
مختصر الامثل — صفحة 281
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٨١