تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
والتعبير ب « كتاب اللَّه » إشارة إلى كتاب الخلق وعالم الوجود . فمنذ ذلك اليوم الذي استقرت عليه المجموعة الشمسية بنظامها الخاص حدثت السنين والأشهر ، فالسنة عبارة عن دوران الأرض حول الشمس دورة كاملة والشهر دوران القمر حول الأرض دورة كاملة . ثم تضيف الآية - آنفة الذكر - معقبّة : « مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ » . ثم تضيف الآية مؤكّدة : « ذلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ » . ويستفاد من بعض الروايات أنّ تحريم القتال في هذه الأشهر الحرم ، كان مشرّعاً في الديانة اليهودية والمسيحية وسائر الشرائع السماوية ، إضافة إلى شريعة إبراهيم الخليل عليه السلام . ثم تقول الآية : « فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ » . إلّا أنّه لما كان تحريم هذه الأشهر قد يتخذ ذريعة من قبل العدو لمهاجمة المسلمين فيها ، فقد عقبت الآية بالقول : « وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً » . فبالرغم من أنّ هؤلاء مشركين ، والشرك أساس التشتت والتفرقة ، إلّاأنّهم يقاتلونكم في صف واحد « كافة » فينبغي عليكم أن تقاتلوهم كافة ، فذلك منكم أجدر لأنّكم موحدون فلابد من توحيد كلمتكم أمام عدوكم ولتكونوا كالبنيان المرصوص . وتختتم الآية بالقول : « وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » . وفي الآية الثانية - من الآيتين محل البحث - إشارة إلى إحدى السنن الخاطئة في الجاهلية ، وهي سنة النسيء « تغيير الأشهر الحرم » إذ تقول الآية : « إِنَّمَا النَّسِىءُ زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا » ففي أحد الأعوام يقرّرون حليّة الشهر الحرام ويحرمون أحد الأشهر الحلال للمحافظة على العدد أربعة « يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ » . فهؤلاء يضيعون بتصرفهم هذا فلسفة تحريم الأشهر ، ويتلاعبون بحكم اللَّه بحسب ما تمليه عليهم أهوائهم ، والعجيب أنّهم يرضون عن عملهم ، وفعلهم هذا كما تقول الآية : « زُيّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ » . فهم يغيرون الأشهر الحرم ويبدلونها ، ويعدّون ذلك تدبيراً لحياتهم ومعاشهم ، أو يتصورون أنّ طول فترة إيقاف القتال يقلل من حماس المقاتلين فلابد من إثارة الحرب . فاللَّه سبحانه إذا علم أنّ في عباده من ليس أهلًا للهداية والتوفيق ، خلاه ونفسه : « وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ » .
مختصر الامثل — صفحة 265 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي