وكما أشرنا من قبل فإنّ إلغاء هذه العهود من جانب واحد - ورفض عهد المشركين - يختص بأولئك الذين دلّت القرائن على استعدادهم لنقض عهدهم وبدت بوادره ، لذلك فإنّ الآية استثنت قسماً منهم لوفائهم بالعهد ، فقالت « إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ » .
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ( 6 ) الشدة المقرونة بالرفق : نقرأ في الآيتين أعلاه بيان وظيفة المسلمين بعد انتهاء مدّة إمهال المشركين « الأشهر الأربعة » وقد أصدر القرآن أوامره الصارمة في هذا الصدد فقال :
« فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ » .
ثم يقول : « وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ » .
وهذه الشدة متناغمة ومتوائمة مع منهج الإسلام وخطته في إزالة الوثنية وقلعها من جذورها ، لأنّ الوثنية ليست عقيدة صحيحة ، ولا ديناً كي تُلحظ بعين الاحترام .
وهذه الشدة والقوة والصرامة لا تعني سدّ الطريق - طريق الرجوع نحو التوبة - بوجههم ، بل لهم أن يثوبوا إلى رشدهم ويعودوا إلى سبيل الحق ، ولذلك فإنّ الآية عقبت بالقول : « فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَءَاتُوا الزَّكَوةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ » .
ف « إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » . يتوب على عباده المنيبين إليه .
وتستكمل الآية التالية هذا الموضوع بأمر آخر ، كيما يتّضح بجلاء أن هدف الإسلام من هذا الأمر إنّما هو نشر التوحيد والحق والعدالة ، وليس هو الاستثمار أو الاستعمار وإمتصاص المال ، أو الاستيلاء على أراضي الآخرين ، إذ تقول الآية : « وَإِن أَحَدٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلمَ اللَّهِ » . أي عليك أن تعامل من يلجأ إليك من المشركين برفق ولطف ، وامنحه المجال للتفكير حتى يتبين له محتوى دعوتك في كمال الإرادة والحرية ،
مختصر الامثل — صفحة 246
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٤٦