تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
أمّا الوظيفة الثالثة للنبي صلى الله عليه وآله فهي أن يتحمل الجاهلين ، فتقول : « وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ » . فالقادة والمبلغون يواجهون في مسيرهم أفراداً متعصبين جهلة يعانون من انحطاط فكري وثقافي وغير متخلقين بالأخلاق الكريمة ، فيرشقونهم بالتّهم ، ويُسيؤون الظن بهم ويحاربونهم . فطريق معالجة هذه المعضلة لا يكون بمواجهة المشركين بالمثل ، بل الطريق السليم هو التحمل والجلد وعدم الإكثرات بمثل هذه الأمور ، والتجربة خير دليل على أنّ هذا الأسلوب هو الأسلوب الأمثل لمعالجة الجهلة ، وإطفاء النائرة ، والقضاء على الحسد والتعصب ، وما إلى ذلك . وفي الآية التالية دستور آخر ، وهو يمثل الوظيفة الرابعة التي ينبغي على القادة والمبلغين أن يتحملوها ، وهي أن لا يدعوا سبيلًا للشيطان إليهم ، سواء كان متمثلًا بالمال أم الجاه أم المقام وما إلى ذلك ، وأن يردعوا الشياطين أو المتشيطنين ووساوسهم ، لئلا ينحرفوا عن أهدافهم . فالقرآن يقول : « وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطنِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » . وفي الآية التالية بيان للانتصار على وساوس الشيطان بهذا النحو : « إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طئِفٌ مِنَ الشَّيْطنِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ » . أي يتذكرون ما أنعم اللَّه عليهم ، ويفكرون في سوء عاقبة الذنب وعذاب الآخرة فيتّضح لهم بذلك طريق الحق . والطائف : هو الذي يطوف ويدور حول الشيء ، فكأنّ وساوس الشيطان تدور حول فكر الإنسان وروحه كالطائف حول الشيء ليجد منفذاً إليه . وأساساً فإنّ كل إنسان في أية مرحلة من الإيمان ، أو أيّ عمر كان ، يُبتلى بوساوس الشياطين . وربّما أحس أحياناً أنّ في داخله قوة مهيمنة تدفعه نحو الذنب وتدعوه إليه ، ولا شك أنّ مثل هذه الحالة من الوساوس في مرحلة الشباب أكثر منها في أيّة مرحلة أخرى ، ولا سيما إذا كانت البيئة أو المحيط كما هو في العصر الحاضر من التحلّل والحريّة ، لا الحرية بمعناها الحقيقي ، بل بما يذهب إليه الحمقى « من الإنسلاخ من كل قيد والتزام أخلاقي أو اجتماعي أو ديني » فتزداد الوساوس الشيطانية عندالشباب . وطريق النجاة الوحيد من هذا التلوّث والتحلل في مثل هذه الظروف ، هو تقوية رصيد التقوى أولًا ، كما أشارت إليه الآية : « إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا » ثم المراقبة والتوجه نحو النفس ، والإلتجاء إلى اللَّه وتذكر ألطافه ونعمه وعقابه الصارم للمذنب .