تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
المشركين الفارغ ، بزعمهم أنّ النبي صلى الله عليه وآله قد جُنّ ، فيقول سبحانه : « أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ » « 1 » . وهذا التعبير يشير إلى أنّ النبي صلى الله عليه وآله لم يكن شخصاً مجهولًا بينهم ، وتعبيرهم ب « الصاحب » يعني المحب والمسامر والصديق وما إلى ذلك ، وكان النبي معهم أكثر من أربعين عاماً يرون ذهابه وإيابه وتفكيره وتدبيره دائماً وآثار النبوغ كانت باديةً عليه ، فمثل هذا الإنسان الذي كان يُعدّ من أبرز الفضلاء والعقلاء قبل الدعوة إلى اللَّه ، كيف تلصق به مثل هذه التهمة بهذه السرعة ؟ ! أما كان من الأفضل أن يتفكروا - بدلًا من إلصاق التهم به - في احتمال أن يكون صادقاً في دعواه ومرسل من قبل اللَّه سبحانه ؟ ! كما عقّب القرآن الكريم وبيّن ذلك بعد قوله أو لم يتفكروا ؟ فقال : « إِن هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ » . وفي الآية التالية - استكمالًا للموضوع آنف الذكر - دعاهم القرآن إلى النظر في عالم الملكوت عالم السماوات والأرض ، إذ تقول الآية : « أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِى مَلَكُوتِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ » . ليعلموا أنّ هذا العالم الواسع ، عالم الخلق ، عالم السماوات والأرض ، بنظامه الدقيق المحيّر المذهل لم يخلق عبثاً ، وإنّما هناك هدف وراء خلقه . ودعوة النبي صلى الله عليه وآله هي من أجل ذلك الهدف ، وهو تكامل الإنسان وتربيته وارتقاؤه . ثم تقول الآية معقبة لتنّبههم من نومة الغافلين : « وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَىّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ » . وأخيراً فإنّ الآية التالية ، تختتم الكلام بالقول : « مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ » . فإنّ هذه التعابير تختص بأولئك الذين يقفون بوجه الحقائق معاندين ألدّاء ، حتى كأنّما على أبصارهم غشاوة وفي سمعهم صمم وعلى قلوبهم طبع ، فلا يجدون إلّاأسدالًا من الظلمات تحجب طريقهم . وكل ذلك هو نتيجة أعمالهم ، وهو المقصود بالإضلال الإلهي « مَن يُضْلِلِ اللَّهُ » .
هامش
( 1 ) « الجنّة » : معناها الجنون ، ومعناها في الأصل : الحائل والمانع فكأنّما يُلقى على العقل حائل عند الجنون .