أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ » . يعني أنّهم في قبضة القدرة الإلهية في جميع الأحوال والأوقات ، ليلًا ونهاراً ، في اليقظة والنوم ، في ساعات الفرح والترح ، وبإشارة واحدة وأمر واحد يقضى عليهم جميعاً ، ويطوي صفحة حياتهم نهائياً .
وفي الآية اللاحقة يعود القرآن الكريم إلى ذكر وتأكيد هذه الحقيقة بشكل آخر فيقول :
أفأمن المجرمون من المكر الإلهي في حين لا يأمن مكره إلّاالخاسرون « أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ » .
« المكر » : يعني في اللغة العربية كل حيلة ووسيلة لصرف الشخص عن الهدف الذي يمضي إليه ، سواء كان حقاً أو باطلًا . والمراد من المكر الإلهي هو أنّ اللَّه تعالى يصرفهم بخططه القوية التي لا تقهر عن حياة الرفاه واللذة دون اختيارهم ويقطعها عليهم . وهذه إشارة إلى العقوبات الإلهية الفجائية والمهلكة .
وفي الآية اللاحقة يقول القرآن الكريم بهدف إيقاظ عقول الشعوب الغافية وإلفات نظرهم إلى العبر التي كانت في حياة الماضيين : ألا يتنبه الذين ورثوا السيادة على الأرض - من الأقوام الماضية - إلى ما في حياة الماضيين وقصصهم من عبر ، فلو أنّنا أردنا أن نهلكهم بذنوبهم لفعلنا : « أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضِ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ » .
ويمكننا أيضاً أن نتركهم أحياء ونسلب منهم الشعور وحس التشخيص والتمييز بالمرّة بسبب توغّلهم في الذنوب ، بحيث لا يسمعون معها حقيقة ، ولا يقبلون نصيحة ، ويعيشون بقية حياتهم حيرى « وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَايَسْمَعُونَ » .
تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ( 101 ) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ( 102 ) في هاتين الآيتين ركّز القرآن الكريم على العبر المستفادة من بيان قصص الماضين ، والخطاب متوجه هنا إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله إلّاأنّ الهدف هو الجميع ، يقول القرآن الكريم أوّلًا : هذه هي القرى والأقوام التي نقص عليك قصصهم : « تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ
مختصر الامثل — صفحة 149
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٤٩