وعبادة اللَّه الواحد « قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلهٍ غَيْرُهُ » .
ثمّ أضاف : إنّه لا يقول شيئاً من دون حجة أو دليل ، بل قد جاء إليهم ببيّنة من ربهم « قَدْ جَاءَتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ هذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً » .
ثمّ إنّه يقول لهم : اتركوا الناقة تأكل في أرض اللَّه ولا تمنعوها « فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » .
ثم يقول في الآية اللاحقة : « وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ » .
أي : من جانب لا تنسوا نعم اللَّه الكثيرة ، ومن جانب آخر انتبهوا إلى أنّه قد سبقكم أقوام ( مثل قوم عاد ) طغوا فحاق بهم عذاب اللَّه بذنوبهم وهلكوا .
ثم ركّز على بعض النعم الإلهية كالأرض فقال : « تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا » . فالأرض قد خُلقت بنحو تكون سهولها المستوية والمزودة بالتربة الصالحة لإقامة القصور الفخمة ، كما تكون جبالها صالحة لأن تنحت فيها البيوت القوية المحصنة لفصل الشتاء والظروف الجوية القاسية .
ويبدو للنظر من هذا التعبير هو أنّهم كانوا يغيرون مكان سكناهم في الصيف والشتاء .
وفي ختام الآية يقول تعالى على لسان نبيّه صالح : « فَاذْكُرُوا ءَالَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ » .
ثم إنّنا نلاحظ أيضاً أنّ جماعة الأغنياء والمترفين ذوي الظاهر الحسن ، والباطن القبيح الخبيث ، الذين عبر عنهم بالملأ أخذوا بزمام المعارضة لهذا النبي الإلهي العظيم .
فقال الفريق المستكبر من قوم صالح للمستضعفين الذين آمنوا بصالح : هل تعلمون يقيناً أنّ صالحاً مرسل من قبل اللَّه « قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صلِحًا مُّرْسَلٌ مّن رَبّهِ » .
ولكن سرعان ما واجهوا ردّ تلك الجموع المؤمنة القاطع ، الكاشف عن إرادتها القوية وعزمها على مواصلة طريقها ، حيث قالوا : إنّنا مضافاً إلى اعتقادنا بأنّ صالحاً رسول من قبل اللَّه ، فنحن مؤمنون أيضاً بما جاء به « قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ » .
ولكن هؤلاء المغرورين المتكبرين لم يكفوا عن عملهم ، بل عادوا مرّة أخرى إلى إضعاف معنوية المؤمنين « قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِى ءَامَنتُم بِهِ كَافِرُونَ » .
عندما يئس من زعزعة الإيمان في نفوس الجماهير المؤمنة بصالح عليه السلام ومن جانب آخر
مختصر الامثل — صفحة 139
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٣٩