تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
ولقد كان البحث في الآيات السابقة حول المكذبين لآيات اللَّه ، والمستكبرين والظالمين ، وهنا يشرح ويبين المستقبل المشرق للمؤمنين إذ يقول : « وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ . . . أُولئِكَ أصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ » . وقد أتى بين المبتدأ والخبر بجملة معترضة توضّح الكثير من الإبهامات إذ يقول : « لَا نُكَلّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا » . وهذه الجملة تؤكّد بأنّه لا ينبغي لأحد أن يتصور بأنّ الإيمان باللَّه ، والإتيان بالعمل الصالح وسلوك سبيل المؤمنين ، أمر متعسر غير مقدور إلّالأفراد معدودين ، لأنّ التكاليف الإلهية في حدود الطاقة البشرية وليست أكثر منها . إنّ هذه الآية - مثل سائر الآيات القرآنية - تحصر وسيلة النجاة والسعادة الأبدية في الإيمان والعمل الصالح ، وهكذا تفنّد العقيدة النصرانية المحرفة الذين يعتبرون صلب المسيح في مقابل ذنوب البشر وسيلة للنجاة ، ويقولون : إنّه قربان لخطايا الإنسانية . إنّ إصرار القرآن الكريم على مسألة الإيمان والعمل الصالح ، في الآيات المختلفة لتفنيد هذه المقولة وأمثالها . وفي الآية اللاحقة أشار تعالى إلى واحدة من أهم النعم التي أعطاها اللَّه سبحانه لأهل الجنة ، والتي تكون سبباً لطمأنينتهم النفسية وسكنتهم الروحية ، إذ قال : « وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ » . « الغِل » : في الأصل بمعنى نفوذ الشيء خفيّة وسرّاً ، ولهذا يقال للحسد والحقد والعداوة ، الذي يتسلّل إلى النفس الإنسانية بصورة خفية ( الغل ) . وإنّ من أكبر عوامل الشقاء التي يعاني منها الناس في هذه الحياة ، ومصدر الكثير من الصراعات الاجتماعية الواسعة التي تؤدّي - مضافاً إلى الخسائر الفادحة في المال والنفس - إلى زعزعة الاستقرار الروحي ، هو الحسد والحقد . إنّ أهل الجنة معافون من هذه الشقاوات والمحن بالكلية ، لأنّهم لا يتصفون بهذه الصفات القبيحة ، إنّهم يعيشون معاً في منتهى التواد والتحابب والصفاء والسكينة ، ولهذا راضون عن وضعهم الذي هم فيه . وبعد ذكر هذه النعمة الروحانية ، يشير القرآن الكريم إلى نعمهم المادية الجسدية ، فيقول : « تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ » . ثم يعكس رضى أهل الجنة الكامل الشامل الذي يعبرون عنه بالحمد والشكر للَّه‌وحده