تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
يسوق ماشية في البراري والأحراج أكثر من أن ( يهش به على غنمه ) أي يضرب بها الأشجار لتتناثر أوراقها على الأغنام فترعاها ؟ . . وهل يقتني العصا إلّا من كانت له
فِيها مَآرِبُ أُخْرى
أي قضاء حاجات مختلفة من صدّ العدوّ والوحش الضاري والتهويل في كل مناسبة ؟ هذه هي لوازم العصا التي يعلمها اللّه سبحانه وتعالى أكثر ممّا يعلمها موسى عليه السلام ، ولكن هذا الذي حصل للسبب الذي ذكرناه من جهة ، ولسبب أن تلك العصا كانت ذات خصوصية ملازمة لها كان موسى لا يزال جاهلا بها وإن كان قد رأى فيها عجائب ليست في غيرها من العصيّ . فقد روى ابن عباس أن من منافعها أنها كانت تتكلّم مع موسى عند وحدته ، فكان يستأنس بها . ومنها أنها كانت تحرسه نوما ويقظة في السفر والحضر من السباع وغيرها ، وأنها كانت تحارب معه عدوّه ، وتحافظ على أغنامه عند غيابه عنها وعند نومه ، وإذا استسقى من بئر كانت تصير حبلا ، وكان في رأسها شعبتان تصيران دلوا يغترف به الماء ، ويصير طولها بعمق البئر فيستقي بها بأدنى قوّة ، وإذا أراد فاكهة كان يغرسها فتخضرّ في الحال وتظهر عليها أنواع الفواكه الناضجة ، وفي الليلة المظلمة كانت شعبتاها تضيئان كالقمر المنير ، وإذا احتاج إلى النار يضرب على شعبتها حجر النار فتخرج منه النار ، وإذا اشتهى الطعام أو الشراب يطلع منها ما يريد . وهكذا كان يستفيد منها موسى فيركبها في السفر إذا تعب فيراها أسرع مركب وأحسنه . وإذا قيل : ما زالت كذلك فلم لم يفصّل موسى هذه المآرب بين يدي اللّه تعالى ، واكتفى بما ذكره ؟ قلنا : لعله قد أخذته الدهشة والهيبة الإلهيّة فلم يستطع أن يتكلم بأزيد ممّا فصّل وذكر ، فجمع كلامه كلّه بقوله :
وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
. وهنا أراد ربّه جلّ وعلا أن ينبهّه إلى أمر أعجب وأعظم من كلّ ما يعرفه فيها ، فتابع الحوار : 19 و 20 -
قالَ أَلْقِها يا مُوسى ، فَأَلْقاها
. . . أي قال اللّه تعالى له :