ثم أخذ سبحانه في بيان قدرته وسعة ملكه وسلطانه فقال عزّ من قائل :
[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 15 ]
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 15 )
15 -
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. . . : أي أن كل من في السماوات والأرض شأنه السجود لعظمته سبحانه ويجب عليه السجود . وقد عبّر تبارك وتعالى عن الوجوب بالوقوع والحصول . ويسمّى لهذا بالسجود الشأني ، وهو بهذا المعنى عامّ والمراد به عام . أو أن المراد بالسجود الخضوع والاعتراف بالعبودية ، وهو بهذا المعنى أيضا عامّ لأن كلّ من في السماوات والأرض معترفون ومقرّون بالعبودية ، والعابد خاضع لمعبوده
طَوْعاً وَكَرْهاً
أي باختياره ، وقهرا ، وكذلك يكون شأن المخلوق لخالقه ، يدلّ على ذلك قوله عزّ وجلّ :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ؟ . لَيَقُولُنَّ : اللَّهُ
، وقوله تقدّس اسمه :
بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
، يعني أنهم في الواقع ونفس الأمر كذلك ، وينبغي أن يكونوا كذلك بحكم افتقارهم لموجدهم .
وأما السجود بمعنى وضع الجبهة على الأرض - أي السجود الشرعي وباصطلاح أهل الشرع - فليس بمراد في هذه الآية على ما هو الظاهر المستفاد منها . فإن أهل السماوات والأرض ليس سجودهم هكذا ، ولا أكثر أهل الأرض من المسلمين ، وكذلك الكفرة الذين يسجدون كرها وخوفا من السيف وطمعا في المال فإنهم ليسوا مقيّدين بأصل السجود فضلا عن المسجود له . . والأحسن في المقام أن يقال إن السجود اسم جنس وهو يطلق على جميع أقسامه ، والسجود من كل شيء يكون بحسبه ، ولعلّ المعنيّ بقوله تعالى :
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، هو المعنى العام ، فلا