بني إسرائيل جميعا ومرتبة هارون أقرب إلى الولاية والإمامة منها إلى النبوّة ، بدليل أنه ردء ، وأنه مستخلف وأنه لا يتلقّى الوحي وغير ذلك من شؤون النبوّة .
143 -
وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ . . .
أي حين حضر موسى ( ع ) إلى المكان المعيّن في الوقت المقرّر لنكلّمه وننزل عليه التوراة . ولفظ الميقات يقع على الزمان وعلى المكان كما لا يخفى على الحاذق . فإن موسى حين انتهى إلى المكان في الوقت المحدّد
وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ
سبحانه وتعالى من غير سفير ولا وحي كما كان يكلّم الأنبياء على ألسنة الملائكة . ولا يخفى أيضا أن الكلام عرض لا يتم إلّا بجسم ولذلك سمع كلامه سبحانه من الشجرة التي ذكرها في غير هذا المكان وجعلها محلّا للكلام كدليل على القدرة الربّانية ، وقيل أسمعه كلامه من الغمام والأول أصح لذكره في القرآن الكريم . فحين كلّمه ربّه
قالَ
موسى :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
يعني : أرني نفسك .
وقد اختلف العلماء في وجه مسألته هذه في الوقت الذي هو نبيّ يعلم أنه عزّ وجلّ لا يدرك بالحواس .
فقال الأكثرون : إنه سأل الرؤية لقومه ولم يسألها لنفسه ، لأنهم هم الذين قالوا : لن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة ، فأخذتهم الرجفة . وقد جوّز هؤلاء القائلون سؤال موسى لقومه ما يعلم استحالته ليحصل لهم على الجواب الكافي الشافي .
وقال آخرون : إنه لم يسأل رؤية بصرية بل سأل إراءته بعض علائم الآخرة أو غيرها مما يزيل الشكوك ويغني عن الاستدلال ، وذلك كسؤال إبراهيم عليه السلام حين قال : ربّ أرني كيف تحيي الموتى . فالرؤية القلبية تفيد العلم واليقين كالرؤية البصرية .
وقال غيرهم : سأل رؤية بصرية لعظمته سبحانه على غير وجه التشبيه .