تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
كما قلنا ، فإنه حكم عام يشملهم ويشمل غيرهم . فمن فعل ذلك
فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
وهذا الحكم تنظير ظاهري ، لكنه بالنسبة إلى الواقع واقعي بمقتضى أخبار الباب التي دلّتنا على ذلك وهكذا في الآية الآتية بعدها . . بيان ذلك أن من قتل إنسانا بلا موجب من الموجبات المجوّزة لقتل النفس - مثلما بين في الآية الكريمة - كقتل نفس محترمة ظلما وصبرا ، وكالإفساد في الجامعة الإسلامية كقطع الطرق لأخذ الأموال وتهويل الناس وقتل الأبرياء ، وكالرّدة والكفر الأوّلي وغيره مما يخرج النفس عن حرمتها ، أقول : إن كل ذلك حكمة في محكمة العدل الإلهي حكم من قتل الناس جميعا ، ومكانه في العذاب ، وعذابه ، مثل مكانه وعذابه . ففي الفقيه والعياشي عن الصادق عليه السلام : أنّ في جهنم واديا لمن قتل الناس جميعا . أقول : ولعلها تكون أشد حرارة من جميع الأمكنة في جهنّم واللّه أعلم . وإن قتل النفس المحترمة أمر منكر عظيم في نظر الشارع . ولهذا - وسداّ لهذا الباب - جعل اللّه سبحانه عذاب القاتل أشد وأعظم ومساويا لقاتل جميع البشر . وهذا الحكم - لهذه الجهة - حكم إلزاميّ سياسي ، بل هو مدني شرعي ، وهو أحسن حكم في المقام يردع عن القتل والاستهانة بالدماء البريئة ، وليس لأحد من الناس أن يستشكل بأنه خلاف العقل والعدالة ، لأن أحكام اللّه تعالى لا تصاب بالعقول القاصرة ولا بالقياس السفسطائي المعتمد على لقلقات اللسان وزخرفة الكلام . وفي الرواية الصحيحة « دين اللّه لا يصاب بالعقول والقياس . فليس - إذا - فيما يحكم ويريد أن يسأل : لم ؟ وبم ؟ ولماذا ؟ وهو سبحانه لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون . على أنه قد ورد في رواية أخرى : في النار مقعد لو قتل الناس جميعا لم يزدد على ذلك المقعد . فقيل للإمام : فإن قتل آخر ؟ قال عليه السلام : يضاعف عليه . وفي العياشي تجد مما يقرب من هذه الرواية ومن التي سبقتها . ففي ذلك المقعد من الجحيم يكون من قتل - على الفرض - جميع الناس . والمقصود بلفظة : جميع ، هو : جميع الناس في عصره ، لا جميع الناس من أول الدنيا إلى آخرها كما لا يخفى . فلا بد من حمله على ما قلناه وإن كان الأمر مقولا
الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 455 | الشيخ محمد السبزواري النجفي