والحاصل أن عدم إقبال هابيل على قتل أخيه قابيل الذي حلف على قتله ، معلول لعلّتين ؛ الأولى هي الخوف من اللّه ، والثانية هي تحميل وزره وإثمه لأخيه ووضع دمه في عنقه . وأي إثم أعظم من قتل الرحم بلا سبب سوى الحسد وحقد القاتل لعنه اللّه ؟ ! . . . وكيف إذا كان وصيّ النبيّ ووليّ اللّه ؟ . . .
30 -
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ . .
طوّعت : من مزيدات : طاع ، ويقال : طاع المرتع إذا اتّسع وسهل . والمعنى أن نفسه الخبيثة سهلّت له قتل أخيه وجعلته هيّنا بنظره ، وبمستطاعه . مع أن قتل النفس التي حرّم اللّه صعب ، فكيف إذا كان قتل أخ وتصوّره الإنسان ؟ فإن النفس تنفر منه نفورا عظيما ، ولا تقدم عليه إلا إذا ثارت النفس الحيوانية والغضبة السبعية فيصير ذلك الفعل سهلا عليها . وهكذا رأى قتل أخيه طوع يديه
فَقَتَلَهُ
وقيل إن قابيل لم يدر كيف يقتل أخاه لأنها أول قتلة في تاريخ الإنسانية على الأرض فتمثّل له إبليس اللعين بصورة إنسان وأخذ طائرا - وقيل حية - فوضع رأسه على حجر ثم ضربه بحجر آخر فشرخ رأسه فمات وقابيل ينظر إليه .
عندئذ تعلّم قابيل شكل الجريمة ، وجاء أخاه هابيل وهو نائم قرب غنمه في البرية ، فاغتاله بنفس الطريقة وأغنامه ترعى من حوله عند جبل ثور من ضواحي مكة المكرّمة . وهذا الجبل هو الذي فيه الغار الذي بات فيه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لمّا هاجر إلى المدينة هربا من كيد قريش والمشركين .
وقيل إنه قتله في منطقة سرنديب في الهند وهي أول مكان نزل فيه آدم عليه السلام على الأرض . وقيل في أول عقبة حراء ، ولعله مكان إحدى الجمرات التي يرميها الحجاج . ثم قيل في موضع مسجد في البصرة واللّه أعلم . وهكذا ، فإنه قتله
فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ
فخسر دنياه وآخرته لأنه عاش تعيسا ومات معذّبا نادما ، وسيجازى يوم القيامة بالنار وبئس المصير . .
31 -
فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ . . .
هذه الآية الشريفة