تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
خاطب المؤمنين مطالبا إياهم بالوفاء بالعقود في صدر كلامه القدسيّ ، ثم أخذ يورد الآيات المشتملة على الأحكام الكثيرة التي كلها عقود وعهود بين اللّه تعالى وبين عباده لأنه لا يتم إسلامهم وتعبّدهم بهذا الدين العظيم إلّا بالإيفاء بعقوده وعهوده ، وبالقيام بأوامره ونواهيه ، يدلّك على أن الأحكام والأوامر والنواهي عهود وعقود ، قوله تعالى مثلا :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ
؟ فعبادة الشيطان منهيّ عنها بعهد منه سبحانه ، والنهي تحريم ، فهو حكم عبّر عنه بالعهد . ومثل ذلك قوله جلّ وعلا :
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ
-
وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ
- فالمعهود في هذه الموارد كلها ، أحكام سماها تعالى عهودا ، والعهود هي العقود بمعناها اللغوي والعرفي . فهو سبحانه بعد أن أمر بالإيفاء بالعقود بدأ بإيراد الأحكام التي سنّها في شرعه المقدس لعباده فقال :
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
وهذا شروع ببيان عقوده تعالى وأحكامه . والبهيمة - لغة - كلّ حيوان لا يميز لما في صوته من الإبهام ، أو هي كل ذات أربع . وقد أضيفت إلى الأنعام للبيان كما يقال : ثوب قطن لتمييزه . وقد جاءت اللفظة مفردة بلحاظ الجنس ، والمراد بها الإبل والبقر والغنم ، والذكر والأنثى على السواء . وبهذا الاعتبار قال اللّه تعالى :
مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ
كما في سورة الأنعام مع فرق أوضحه سبحانه في قسمي الغنم اللّذين هما : الضأن والمعز . وقد ألحق بالأنعام الظّباء وبقر الوحش وأمثالهما من البهائم البرّية . ويظهر مما في بعض الأخبار أن المراد بالبهيمة الأجنّة التي تكون في بطون الأنعام ، لا بيان حكم نفس الأنعام الذي يجيء في آيات أخرى وأخبار أخر . ففي الكافي والتهذيب والفقيه والعياشي عن أحدهما عليهما السلام في تفسيرها : الجنين في بطن أمه إذا أشعر وأوبر فذكاته ذكاة أمه . وزاد في الكافي والقمي : فذلك الذي عنى اللّه عزّ وجلّ به . و في العياشي عن الباقر عليه السلام : هي الأجنّة التي في بطون الأنعام . و فيه أيضا عنه عليه السلام : إن عليا عليه السلام سئل عن الدب وأكل لحم