والتدبر من الأمور المنسيّة بين الناس ، مع
أنه صلّى اللّه عليه وآله يقول : تفكّر ساعة خير من عبادة ألف سنة .
فإن العبادة بلا معرفة ليس لها عنده تعالى وزن ولا قيمة ، والمعرفة لا تحصل إلّا بالتفكّر في آيات اللّه وبيّناته التي تدل عليه وعلى قدرته وعظمته ، وكثيرا ما حثّ سبحانه على التفكر :
أو لم يتفكّروا في أنفسهم ؟ . . . أو لم يتفكّروا في خلق السماوات والأرض ؟ . . . إلخ .
191 -
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ . . .
وصف سبحانه ذوي الألباب بهذه الصفات الطيّبة من الذكر له
قِياماً وَقُعُوداً
كلاهما حال ، وهما جمع :
قائم وقاعد . أي أنهم لا ينسون ذكره تعالى في حال قيامهم وقعودهم ، في صلواتهم وتهجداتهم وأدعيتهم وأورادهم ، ومقيمين ومسافرين وعاملين وفي جميع تقلّباتهم
وَعَلى جُنُوبِهِمْ
أي حال اضطجاعهم ونومهم ، يعني : في جميع حالاتهم ، لأن أحوال المكّلفين لا تخلو من هذه الحالات الثلاث نوعا . فهم دائبون في ذكر اللّه تعالى في تمام أوقات فراغهم وعلى طبق اقتضاء أحوالهم التي يكونون عليها .
فعن أمالي المفيد وأمالي الشيخ قدّس اللّه روحيهما وأرواح جميع علمائنا الربانيين ، بسند لا بأس به ، عن الباقر عليه السلام : لا يزال العبد في صلاة ما كان في ذكر اللّه ، قائما أو جالسا ، أو مضطجعا .
إن اللّه يقول :
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً
إلخ . . .
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
وما في ذلك من عجائب الصّنع وبدائع الفطرة وآثار القدرة ، معتبرين بذلك ، موقنين أنه من صنع إله قادر حكيم ، ثم يعترفون بوحدانيته وقدرته فيقولون :
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
أي هذه الخلقة البديعة التي تتحيّر فيها العقول ليست باطلة ، ولا هي هذر وهدر بلا حكمة ولا مصلحة ولا غاية ، بل لها مصالح كثيرة ، منها كونها دليلا على كمال قدرتك ، وحجة ظاهرة على وحدانيتك ، بل من أسرارها هذا الإنسان العجيب الصّنع الذي خلقته في أحسن تقويم .
ونحن لم نذكر الإنسان - بالمناسبة - إلّا لأن خلق السماوات والأرض