وسعيتم إليها وباشرتموها بأيديكم وسائر جوارحكم
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
لم يظلمكم ولا كان عذابه لكم إلّا طبق ذنوبكم ، لأنه جلّ عن أن يجور على عباده بل الجور والظلم من شأن العباد ، ومن ذوي النفوس الشريرة . وظلّام صيغة مبالغة قصد بها الدلالة على كثرة اتّصاف الموصوف بالصفة . ولهذه الصيغة أوزان معروفة منها زنة فعّال ، كظلّام :
أي كثير الظلم . . .
وفي الآية الشريفة يلاحظ النفي المستفاد من كلمة : ليس ، على ما هو الظاهر راجع إلى صفة الكثرة ، فأصل مبدأ الاشتقاق باق ، وهو الظلم ، وتعالى اللّه عما يقول الظالمون . وربما كانوا يستدلون بهذه الشريفة بالبيان المذكور . والجواب أنه يمكن أن يقال بأن النفي راجع إلى مبدأ الاشتقاق أولا فالصفة تنتفي بانتفائه قهرا ، وهذا آكد في المقام .
فالحصر لماذا في الصفة ؟ . . . أو نقول : إن النفي راجع إلى الصفة ومبدئها ، اللذين قابلا النفي ، فالحصر في جهة الكثرة فقط لماذا ؟ . . .
وأما الجواب المتقن الآخر ، فهو أنه إذا وقعت صيغة المبالغة في حيّز النفي ، وكان النافي : ليس ونحوها ممّا يكون له اسم وخبر ويدخل على خبره الباء الجارّة له التي هي عند أساطين علم الأدب لإفادة تأكيد النفي ، وتظهر فائدة التأكيد في مدخوله لبيان تقوية النفي ، وجرّه للخبر باعتبار المبدأ وإن لم يشمله النفي . ولكن هذا التأكيد الذي ذكروه لغو لأن النفي بذاته - وبلا تأكيد - يشمل الصفة ، أي الكثرة . فالحاجة إلى الباء المؤكّدة هي لهذه النكتة ، أي لأن يجرّ النفي إلى مبدأ اشتقاق الصفة كما فيما نحن فيه ، فلا يبقى في المقام إلا الذات المجرّدة ، وهذا هو المطلوب .
وهذا الجواب أحسن الأجوبة لأنه على الموازين العلمية .
والآية الكريمة عطف على : بما قدّمت ، وسببيّته أنه يستلزم العدل الموجب لمعاقبة العاصي وإثابة المحسن . . . وحاصل معناها إذاقة العاصين عذاب حريق جهنم المسبّبة من أمرين : أحدهما : الجنايات والآثام المرتكبة ، والثاني : عدالة الحق المتعال الموجبة لذلك .