ناديناه ، ومثل : حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها ، أي : فتحت والواو فيها زائدة ، والإتيان بها مع عدم لزومها هو تزييف سوق الكلام ، وقيل إنه من باب سد الفرج والخلل في كلام العرب وتضميم الكلمات بعضها إلى بعض ، وهو أيضا يحسب من بلاغة الكلام وما في ذلك بعد وإلا لكان الزائد في الكلام بلا ترتب أثر عليه يعد لغوا . فكيف إذا ورد في كلام اللّه تعالى الذي خلق البلاغة . . . والحاصل أن التقديم والتأخير في هذه الآية الشريفة هو المعقول باعتبار أن الفشل لا يكون إلا بعد النزاع والتواني في الحرب : كالذي أدت اليه حادثة أصحاب عبد اللّه بن جبير حين اختلفوا عند ترك مواقعهم المشرفة على المعركة ونزلت طائفة منهم طمعا بالغنائم وبقيت طائفة . وقد كان أمر من نزلوا من أعجب العجائب يتجلى فيه عصيان أمر الرسول ( ص ) لأنهم كانوا يعلمون أن الغنائم والأسلاب ستوزع وفق قانون التقسيم النبوي الكريم لو حازها واحد بعد المعركة أو حازها سائر المسلمين ، إذ سيشملها عدل النبي ( ص ) وإنصافه - وهو الذي سن العدل - فكان من نتيجة عصيانهم أن عرّضوا النبي ( ص ) لأزمة عظيمة مهلكة لولا صيانة اللّه تعالى له وعنايته به . فيا أيها المسلمون المشتركون في موقعة أحد :
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا
كهؤلاء المخالفين لأمر النبي صلّى اللّه عليه وآله ، الذين اندفعوا لنيل الغنائم فأطبق عليهم الأعداء من كل صوب فتركوا ما في أيديهم وانهزموا
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
كهذا الذي أطاع أمر نبيه - عبد اللّه بن جبير - وثبت عليه مع من بقي من عسكره وقاتلوا في مركزهم حتى قتلوا رضوان اللّه عليهم ووقع أجر شهادتهم الكريمة على اللّه عز وجل . ومورد هذا الجزء من الآية الشريفة هو ما ذكرناه ولكن ذلك لا يمنع من كونه عاما يشمل غيره ويصدق على من يرغب في الدنيا وعلى من يرغب في الآخرة في كل زمان ومكان .
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ
أي حولكم عن جهاد المشركين بأن كف نصره ومعونته عنكم ، ففررتم من زحفهم وخفتموهم ليمتحن ثباتكم ، وليختبركم ويظهر صبركم واستقامتكم في حفظ دينكم فظهرتم على الحال