وجوههم : أكفرتم ؟ والهمزة استفهام للتوبيخ أو للتعجب من حالهم وعودتهم إلى جاهليتهم وكفرهم المضل . وهؤلاء هم المرتدون بعد رسول اللّه ( ص ) من أمته إلا القليل من الذين ثبتوا على عهده المعهود كما
في الرواية المشهورة أنه ارتد الناس بعد رسول اللّه ( ص ) إلا ثلاثة ، وقيل أربعة ، وقيل سبعة .
ولعل المراد من العدد المذكور المستثنى وهم الأكمل إيمانا ، إذ مما لا شك فيه أن الذين بقوا على الايمان أكثر من ذلك يوم وفاة النبي صلى اللّه عليه وآله وبعدها . وقيل أن السؤال التوبيخي يكون لأهل البدع وقيل غير ذلك مما يرجع إلى من يرتد حقيقة وحكما فيقال لهم بعد هذا الاستهجان :
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
وهذا الأمر إهانة وتقريع لهم وتحقير . والباء في : بما ، سببية : وما ، في هذا المقام مصدرية .
أي ذوقوا العذاب بسبب كفركم .
107 -
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ . .
أي المؤمنون الثابتون على الايمان والتصديق
فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ
أي في لطفه وعفوه الدائم وغفرانه
هُمْ فِيها خالِدُونَ
منعمون نعيما مقيما إلى أبد الأبد . والمقام كان يقتضي أن يقال : ففي ثواب اللّه هم فيه خالدون ، ولكنه سمي هنا بالرحمة باعتبار سببه الذي هو التكليف . وتوضيحه أن باب الثواب باب استحقاق بحيث إذا منع عن أهله كان قبيحا . وباب الرحمة باب التفضل والإحسان بلا علة ، ومنعه ليس فيه حزازة ولا قبح . أما الذين ابيضت وجوههم فهم أهل استحقاق ، وكان الأنسب أن يقال : ففي ثواب اللّه هم خالدون . لكن باعتبار أن منشأ الثواب التكليف كما قلنا ، وهذا أمر تفضلي : فقد عبر عنه بالرحمة .
وأما عكس الترتيب بأن قدّم قوله :
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
، فليكون مطلع الكلام ومقطعه سواء . وهذا يعدّ من فصاحة البيان . وقوله :
هُمْ فِيها خالِدُونَ
: جملة مستأنفة لإفادة التأكيد . وهي جواب عن سؤال مقدر كأن قائلا يقول : كيف هم في رحمة اللّه ؟ . . فأجيب بأنهم مخلّدون فيها . .
وفي القمي عن أبي ذر قال : لما نزلت هذه الآية :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ