طه ، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى .
ولذا عاد سبحانه لمخاطبة الناس بقوله :
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ
والمراد بالخير هنا المال الطيّب بقرينة المقام وللتعبير بلفظة : خير لأنه وسيلة للتوجّه إلى اللّه عزّ وجلّ . فالإنفاق الطيّب يعود نفعه إلى منفقه إذ يكون عن خلوص نيّته ، فهو الذي يرجع إليه أجره
وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ
أي لطلب مرضاته . ويمكن أن تكون الجملة خبريّة . - إنفاقكم ابتغاء - واللّه تعالى يخبر هنا عن صفة المؤمنين الخلّص الذين يكون مقصدهم من الإنفاق تحصيل رضوانه . ويحتمل - ضعيفا - كونها في مقام النهي وإن كان ظاهرها الخبر ، أي : ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه اللّه فإنه تعالى يبيّن لكم كيفية ذلك تعليما وتأديبا بآدابه المرضيّة عنده تعالى . .
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ
والتوفية إكمال الشيء وإتمامه . . فمعنى الآية المباركة : أنّ إنفاق بعض المال ، يضاعف أجره وثوابه مضاعفة كاملة تامة وافية بحيث يرضى صاحبه بما يعطيه اللّه بدلا عمّا أنفق في يوم الفاقة إليه ، أي يوم القيامة حيث ينال الجزاء الأوفى
وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ
بمنع الثواب ، ولا بنقصان الجزاء حتى لا يؤخر عن محلّ الحاجة ، بل يصل إليكم في أشد وقت الحاجة . وكلّ ذلك لترغيب الناس وتحريض المؤمنين .
273 -
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا
. . . الجملة خبر لمبتدأ محذوف والتقدير :
النفقة للفقراء . . وقد خصّص سبحانه هؤلاء بالإنفاق والإعانة : وهم الفقراء من أهل الحاجة الذين احتبسوا في سبيل اللّه ، أي منعهم الجهاد عن العمل والكسب ولم تتح لهم فرصة طلب العيش . ذاك أن الجهاد في سبيل اللّه يكون لإعلاء الدين ، وإعلان كلمة التوحيد ، وهو يستوعب سائر أوقات المجاهدين ، ولذا قال عزّ من قائل :
لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ
فلا يتمكّنون من الاحتراف والعمل للتكسّب وجلب الرزق وإصلاح أمور معاشهم . .
وفي المجمع عن الباقر عليه السلام : أنها نزلت في أصحاب الصّفة .
وقيل كانوا نحوا من أربعمائة من الفقراء المهاجرين ، يسكنون صفّة المسجد ويستغرق وقتهم التعلّم ، والتعليم