تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
صاحب مجمع البيان بل قال فيه : لا يسألون الناس أصلا ، ونسبته لابن عباس ، وقال : وهو قول الفرّاء والزجاج وأكثر أرباب المعاني . وقرينة أخرى تناسب المقام وتأبى حمل معنى الإلحاف على الإلحاح ، هي ان أهل الصفة كانوا أجلّ شأنا وأسمى مقاما من أن يسألوا الناس ويظهروا فقرهم . فعصبّيتهم العربية مانعة من ذلك ولو ماتوا من الجوع . وكذلك آباؤهم وانفتهم وتمسّكهم بالعشائرية والقبلية مضافا إلى آداب الإسلام وخلق القرآن بل زد على ذلك كله الأب الرحيم للفقراء والمساكين ، اعني محمدا سيد المرسلين صلوات اللّه عليه وآله فإنه كان على رأسهم ، بل كانوا في ضيافته ، وكان يؤاكلهم ويشاربهم بما قسم اللّه تعالى في ذلك العهد الشديد الذي كانوا فيه في ضيق وضنك ، وكان الكثيرون ممّن سواهم في شظف عيش وعسر أيضا ، حتى أن النبيّ ( ص ) كان في ضيق معاش في بدء الدعوة . والحاصل ان أهل الصفّة كانوا ذوي جلال وشأن ولا يليق بمقامهم السامي الإلحاح في طلب الصدقة ، بل لم يسألوها مطلقا . . وقد كرّر سبحانه قوله :
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
ترغيبا في الإنفاق ، ودلالة على أنه محفوظ مكتوب ، معلوم عنده جلّ وعلا ، سواء أكان إنفاقا علينا أن سرّيا ، ومعلوم بإجماله وتفصيله ، وكونه فرضا أو نفلا ، وكما وكيفا . . وننبّه إلى أنه لا بد من الفحص التامّ لتحصيل مصارف الصدقة لتقع في يد أهلها . ولننال عليها الجزاء الأوفى . 274 -
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ
. . . يبيّن اللّه سبحانه في هذه الآية الكريمة أوقات الإنفاق وأشكاله ، وثوابه العظيم . فالمنفقون لأموالهم
بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ
وفي أي وقت منهما بلا تعيين وقت أفضل من وقت ، بل حين يشاءون
سِرًّا وَعَلانِيَةً
جهارا أمام الناس ، أو خفية عنهم ، يعطون على الدوام
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
ولا يخفى أنّ إبهام الأجر كمّا وكيفا دليل على عظمه وعدم تحديده ، أي : فلهم أيّ أجر وأي مقدار ! . لذلك
وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
فلا خشية عليهم يوم القيامة ولا يردن ما يكرهون . فهنيئا ثم هنيئا لمن وفّقه اللّه لمثل هذا العمل العظيم ونوال هدا