مدح إذ أمرنا في أعلى وأعظم مظاهر عبادتنا - أي الصلاة التي هي عماد ديننا - بأن نسلّم على عباده الصالحين بعد أن نصلي على خير خلقه وخاتم رسله ، مما يدل على أن مقام الصالحين هو قرين لمقام المقرّبين أو هو أعظم . ومن قال بغير ذلك فقد توهّم . .
131 -
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ، قالَ أَسْلَمْتُ
. . . إذ : ظرف متعلق بقوله :
اصطفيناه ، ومحلّه نصب بتقدير : أذكر ذلك الزمان لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي بادر إلى ما أمره اللّه تعالى به من الإسلام ، وقبله وأظهر الرغبة فيه عاجلا وبدون استمهال ، فأسلم
لِرَبِّ الْعالَمِينَ
بارئ المخلوقين ورازقهم ومالك أمرهم . واختلف في أنه : متى قيل له ذلك ؟ . وقيل إنه كان حين أفول الشمس ، فإنه حين رأى إبراهيم تلك الآيات وتلك الدلائل على التوحيد ، كان ذلك طريقا لهدايته إلى وحدانية اللّه تبارك وتعالى ، فقال : يا قوم إني بريء مما تشركون ، إني وجّهت . . الآية . . وأنه أسلم حينئذ . . وهذا يدل على أن ذلك كان قبل نبوّته وبعثته ، وأنه كان إلهاما حين دعي إلى الإسلام فأسلم وأذعن فورا لمّا وضح له طريق الاستدلال بما رأى من الآيات ، ولا يصح أن يوحي اللّه إليه قبل إسلامه ، لأن النبوّة حالة إجلال وإعظام ولا تنال رتبتها قبل الإسلام . . قال ابن عباس : إنما قال ذلك إبراهيم حين خرج من السرّب - ولعل المراد بالسّرب ، الجماعة الذين خرجوا يوم عيدهم . أو أنه السّرب : أي الغار معتزلا فيه . وخرج يتأمّل آيات اللّه ودلائل عظمته - وقيل إنما كان ذلك بعد النبوّة ، ومعنى : أسلم :
أخلص دينك واستقم على الإسلام وأثبت على التوحيد .
132 -
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ
. . . أي وصّى بملّته الشريفة الحنيفية أبناءه الأربعة : إسماعيل ، وإسحاق ، ومدين ، ومدان . وأصل التوصية الوصل ، كأنّ الموصي يصل أموره بالوصيّ
وَيَعْقُوبُ
أي : ووصّى بها يعقوب بنيه الاثني عشر وهم الأسباط المعروفون ، وصاهم بالملّة كما وصّى إبراهيم بها