إنهم يرمون إلى استطلاع وضع الطرق والشّعاب ومياه الأنهار ، أيستطيع الجيش أن يتخطاها أم لا ؟
ثم إلى تبين المواطن التي يتوافر فيها العلف وينعدم ، وإلى معرفة العمال وأولي الأمر في كل ناحية وصوب . ومن مآربهم أيضا : معرفة عدد جيش ذلك الملك وما يملك من آلات وعدد ، واستطلاع خوانه ومجلسه وترتيب قصره وبلاطه ، وكيفية مجالسته ومعاشرته ومنادمته وصيده ولعبه بالطبطابة وخلقه وسيرته وهباته وكرمه وسعيه وجده ومظهره وأعماله : أظالم أم عادل ؟ أعجوز أم شاب ؟
أعامرة ولايته أم خربة ؟ أراض جيشه أم متظلم ؟ أغنية رعيته أم فقيرة ؟ أشحيح أم بخيل ؟ أعاقل في تصريف الأمور أم غافل عنها ؟ أو وزيره : أهل ومتدين وحسن السيرة أم لا ؟ أقادة جيشه متمرسون وذوو باع في أمور الحرب أم لا ؟ أندماؤه ظرفاء لائقون أم لا ؟ ما يحب وما يكره ، أهو منبسط الطبع حسنه في الشراب أم لا ؟ أمتين في أمور الدين ورحيم أم ضعيف وجاهل ؟ أيميل إلى الهزل أكثر أم إلى الجد ؟ أيرغب في الغلمان أكثر أم في النساء ؟ كل هذا ليكونوا على بيّنة من أمره إذا ما رغبوا في محالفته أو مخالفته وتصيد عيوبه ، وليأخذوا للأمر أهبته إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، ثم يتخذوا ما يرونه مناسبا مثلما حدث لي « 4 » في عهد السلطان الشهيد ألب أرسلان ، أنار اللّه برهانه .
( الشافعية والحنفية )
ليس في العالم كله أفضل وأقوم من مذهبي أبي حنيفة والشافعي ، رحمة اللّه عليهما ، أما المذاهب الأخرى فبدع وأهواء وشبهات . ما كان أصلب السلطان الشهيد - رحمه اللّه - وأقومه في مذهبه فقد جاء على لسانه مرات : « وا أسفاه ! ليت وزيري لم يكن شافعيا ! » ، وقد كان سياسيا محنكا ومهيبا جدا .
ولقد كنت أخشاه وأهابه وأحسب له حسابا دائما لاعتقاده الشديد بمذهبه وجديته فيه وانتقاصه مذهب الشافعي .
الخواجة نظام الملك ورسول شمس الملك
لما عقد السلطان الشهيد « 5 » العزم على التّوجه إلى ما وراء النهر وسمرقند ، لشق « خان » « 6 » سمرقند شمس الملك « 7 » عصا الطاعة عليه ، استدعى الجيش وأوفد إلى شمس الملك نصر بن إبراهيم
هامش
( 4 ) أي نظام الملك نفسه .
( 5 ) ألب أرسلان السلجوقي .
( 6 ) خان : كلمة تركية الأصل من ألقاب سلاطين « خطا » و « تاتارستان » . وهو لقب يطلق على الأمير والرئيس والعظيم أيضا . وخاقان هو خان خان أي رئيس الرؤساء . ( انظر : مفاتيح العلوم ص 73 ، والدكتور حسن الباشا :
الألقاب الإسلامية ص 274 ) .
( 7 ) هو ناصر الدين أبو الحسن شمس الملك نصر بن طغماج خان إبراهيم . كان أميرا على سمرقند وما وراء النهر ، -