تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
قلت : تعس الشيطان ، تعاظم ، وقال : بقوتي صرعته ، وإذا قلت : باسم اللَّه ، تصاغر حتى يصير مثل الذباب » . وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر اللَّه تصاغر الشيطان وغلب ، وإن لم يذكر اللَّه تعاظم وغلب . ثم أبان موضع وسوسته ، فقال :
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
أي الذي يلقي خواطر السوء والشرّ في القلوب ، وإنما ذكر الصدور لأنها تحتوي على القلوب ، والخواطر محلها القلب ، كما هو المعهود في كلام العرب . ثم بيّن اللَّه تعالى أن الذي يوسوس نوعان : جني وإنسي ، فقال :
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
أي أن ذلك الموسوس إما شيطان الجن ، فيوسوس في صدور الناس ، كما تقدم ، وإما شيطان الإنس ، ووسوسته في صدور الناس : أنه يري نفسه كالناصح المشفق ، فيوقع في الصدر كلامه الذي أخرجه مخرج النصيحة ، فيجعله فريسة وسوسة الشيطان الجني . وهذا يدل على أن الوسواس قد يكون من الجن وقد يكون من الناس ، كما جاء في قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً
[ الأنعام 6 / 112 ] أي ليست العداوة قهرية جبرية ، وإنما بما أودع اللَّه فيهم من قدرة الاختيار ، فمنهم من يختار الإصغاء لوسوسة الشياطين ، ومنهم من يحذر عداوتهم ووسوستهم .

فقه الحياة أو الأحكام :

علّمنا اللَّه تعالى في هذه السورة رحمة بنا كيفية الاستعاذة من شياطين الإنس والجن ، وعرفنا أنه بصفاته الثلاث : الربوبية ، والملك ، والألوهية ، يحمي
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 482 | وهبة الزحيلي