تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
[ يس 36 / 81 ] . فمن قدر على خلق السماء ذات الأجرام العظيمة التي يتحدث عنها علماء الفلك والفضاء بدهشة ، وفيها من عجائب الصنع وبدائع القدرة ما هو واضح ، كيف يعجز عن إعادة الأجسام التي أماتها بعد أن خلقها أول مرة ؟ ! ثم بيّن اللّه تعالى صفة خلق السماوات ، وأنه بناها بضم أجزائها بعضها إلى بعض ، مع ربطها بما يمسكها حتى صارت بناء واحدا ، ورفع ثخانتها في الجو ، وجعلها كالبناء المرتفع فوق الأرض بدون أعمدة ، وجعلها عالية البناء ، مستوية الخلق ، معدّلة الشكل ، لا تفاوت فيها ولا اعوجاج ، ولا فطور ولا شقوق ، بان أبدع في خلق الكواكب العديدة التي تفوق الملايين ، وجعل لكل كوكب حجما معينا ، ومدارا يسير فيه دون تصادم مع غيره ، حتى صار من مجموعها ما يسمى بالسماء ، وما يشبه البناء .
وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها
أي جعل ليل السماء مظلما ، وأبرز وأنار نهارها المضيء بإضاءة الشمس ، وجعل تعاقب الليل والنهار واختلاف الفصول مناخا صالحا للعيش والسكنى .
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
أي بسط الأرض ومهدها وجعلها مفلطحة كالبيضة بعد خلق السماء ، إلا أنها كانت مخلوقة غير مدحوة قبل خلق السماء ، ثم دحيت بعد خلق السماء ، كما جاء في سورة السجدة ( فصّلت ) :
قُلْ : أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ، ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها ، وَبارَكَ فِيها ، وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ، سَواءً لِلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، قالَتا : أَتَيْنا طائِعِينَ
[ 9 - 11 ] فهذه الآية دليل على أن خلق السماوات كان بعد خلق الأرض ، إلا أن دحو الأرض وتمهيدها كان بعد خلق السماوات « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير : 4 / 468
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 45 | وهبة الزحيلي