وهذا تعريض بأمي المؤمنين ، وهما حفصة وعائشة ، لما فرط منهما ، وتحذير وتخويف لهما ولغيرهما بأنه لا يفيدهن شيئا زواجهن بالنبي صلى اللّه عليه وسلم إن عصين اللّه تعالى . قال يحي بن سلام : هذا يحذر به عائشة وحفصة من المخالفة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين تظاهرتا عليه ، ببيان أنهما ، وإن كانت تحت عصمة خير خلق اللّه تعالى ، وخاتم رسله ، فإن ذلك لا يغني عنهما من اللّه شيئا . وقد عصمها اللّه عن ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة الخالصة .
ثم ضرب اللّه مثلا آخر للمؤمنين بامرأتين أخريين يرشد إلى عكس المثل السابق أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم ، فقال عن المرأة الأولى :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ : رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ ، وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ، وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
أي وجعل اللّه مثلا آخر للمؤمنين حال امرأة فرعون آسية بنت مزاحم وعمة موسى عليه السلام ، آمنت بموسى حين سمعت قصة إلقائه عصاه ، فعذبها فرعون عذابا شديدا بسبب الإيمان ، فلم تتراجع عن إيمانها ، مما يدل على أن صولة الكفر لا تضر المؤمنين ، كما لم تضر امرأة فرعون ، وقد كانت تحت أكفر الكافرين ، وصارت بإيمانها باللّه في جنات النعيم .
وذلك حين قالت : يا رب ابن لي بيتا قريبا من رحمتك في أعلى درجات المقرّبين منك ، ونجني من ذات فرعون ومما يصدر عنه من أعمال الشر ، وخلصني من القوم الظالمين هم كفار القبط .
قال قتادة : كان فرعون أعتى أهل الأرض وأكفرهم ، فو اللّه ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها ، ليعلموا أن اللّه تعالى حكم عدل ، لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه .