تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ، وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ
أي فاصبر يا محمد على تكذيب قومك كصبر أولي الثبات والجد والعزيمة من الرسل وأنت من جملتهم ، وهم أصحاب الشرائع : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ، ولا تستعجل يا محمد العذاب لهم ، أي للكفار ، فإنه واقع بهم لا محالة . ومفعول الاستعجال محذوف ، وهو العذاب . روى ابن أبي حاتم والديلمي عن مسروق قال : قالت لي عائشة رضي اللَّه عنها : ظل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم صائما ، ثم طواه - أي ظل في يومه لا يأكل ولا يشرب - ثم ظل صائما ثم طواه ، ثم ظل صائما ، ثم قال : « يا عائشة ، إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ، ولا لآل محمد ، يا عائشة ، إن اللَّه تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها ، والصبر عن محبوبها ، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم ، فقال :
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
وإني واللَّه لأصبرن كما صبروا ، جهدي ، ولا قوة إلا باللّه » . ونظير
لا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ
قوله تعالى :
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ، وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا
[ المزمل 73 / 11 ] وقوله سبحانه :
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً
[ الطارق 86 / 17 ] .
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ ، بَلاغٌ ، فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ
؟ أي كأن الكافرين حين يشاهدون ما أوعدهم اللَّه به من العذاب ، لم يمكثوا في الدنيا إلا قدر ساعة من ساعات الأيام ، لما يشاهدونه من الأهوال العظام ، كما قال تعالى :
كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ؟ قالُوا : لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ
[ المؤمنون 23 / 112 - 113 ] وقال عز وجل :
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها
[ النازعات 79 / 46 ] . وهذا القرآن الذي وعظهم به اللَّه تعالى والنبي : تبليغ كاف يقطع حجة
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 71 | وهبة الزحيلي