تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
الذي حفظه اللَّه من التغيير ومن الشياطين . أخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة عن النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم : « كلّ ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذّنب ومنه خلق ومنه يركّب » . والأصح في تقديري أن هذا تقريب لأذهاننا وتمثيل لإحاطة علم اللَّه تعالى بجميع الأشياء والكائنات ، وإحصائه كل الوقائع والأعمال ، كمن عنده سجل حسابات لكل شاردة وواردة . ولا يمنع ذلك وجود اللوح المحفوظ الذي نؤمن به لوروده في آيات كثيرة أخرى . والآية إشارة إلى جواز البعث وقدرته تعالى عليه . ثم أبان اللَّه تعالى سبب كفرهم وعنادهم وما هو أشنع من تعجبهم من البعث ، وهو تكذيبهم بآيات اللَّه تعالى ورسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فقال :
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ ، فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ
أي إن كفار قريش في الحقيقة كذبوا بالقرآن وبنبوة محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم الثابتة بالمعجزات ، إنهم كذبوا ( بالقرآن وبالنبوة ) بمجرد تبليغهم به من قبل الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم ، من غير تدبر ولا تفكر ولا إمعان نظر ، فهم في أمر دينهم في أمر مختلط مضطرب ، يقولون مرة عن القرآن والنّبي : ساحر وسحر ، ومرة : شاعر وشعر ، ومرة : كاهن وكهانة ، فهم في قلق واضطراب ولبس ، لا يدرون ما ذا يفعلون ، كما قال تعالى :
إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ
[ الذاريات 51 / 8 - 9 ] . ثم أقام اللَّه تعالى الدليل على قدرته العظيمة على البعث وغيره ، على حقيقة المبدأ والمعاد ، فقال :
أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ
أي أفلم ينظر هؤلاء الكفار بأم أعينهم ، المكذبون بالبعث بعد الموت ، المنكرون قدرتنا العظمى ، إلى هذه السماء بصفتها العجيبة ، فهي مرفوعة بغير أعمدة تعتمد عليها ، ومزيّنة بالكواكب المنيرة كالمصابيح ، وليس فيها شقوق وفتوق
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 284 | وهبة الزحيلي