تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
3 -
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ ، فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا
؟ أي يا قومي ، قد أنعم اللّه عليكم بهذا الملك الواسع ، وأنتم الغالبون العالون على بني إسرائيل في أرض مصر ، فلكم الكلمة النافذة والجاه العريض ، فراعوا هذه النعمة بشكر اللّه وتصديق رسوله ص ، واحذروا نقمة اللّه إن كذبتم رسوله ص ، فمن الذي يمنعنا من عذاب اللّه إن حل بنا ؟ ولا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر ، ولا ترد عنا شيئا من بأس اللّه إن أرادنا بسوء . وإنما قال :
يَنْصُرُنا
و
جاءَنا
لأنه كان يظهر من نفسه أنه منهم ، وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه ، وأنه حريص على دفع الشر عنهم ، ليتأثروا بنصحه . فرد فرعون بنصيحة فيها مراوغة ، مظهرا أنه أخلص نصحا لقومه من هذا الرجل ، فقال تعالى :
قالَ فِرْعَوْنُ : ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى ، وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
أي قال فرعون مجيبا الرجل المؤمن : ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي ، وما أدلكم وأدعوكم إلا إلى طريق الصواب الذي يؤدي إلى الفوز والنجاة والغلبة وهو قتل موسى . وقد كذب فرعون وافترى في قوله :
ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى
فإنه كان يتحقق صدق موسى عليه السلام فيما جاء به من الرسالة ، وكذب أيضا في قوله :
وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
أي وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد ، ولكن قومه مع ذلك قد أطاعوه واتبعوه بسبب سلطانه ونفوذه ، قال تعالى :
فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ، وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ
[ هود 11 / 97 ] وقال سبحانه :
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى
[ طه 20 / 97 ] جاء في الحديث الثابت الذي رواه الشيخان عن معقل بن يسار : « ما من عبد يسترعيه اللّه رعية يموت يوم يموت ، وهو غاشّ لرعيته إلا حرم اللّه عليه رائحة الجنة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمس مائة عام » .