وما جرى على المثيل يجري على مثيله ، لتساويهما في سبب العقاب ، فيتساويان في الحكم .
ثم نصحهم القرآن بالتأمل والتريث في الحكم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال تعالى :
قُلْ : إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ : أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا : ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ
أي أحذركم وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه ، وآمركم وأنصحكم بخصلة واحدة : هي قيامكم في طلب الحق بالفكرة الصادقة ، والتأمل الذاتي المجرد المخلص ، دون تأثر بهوى أو عصبية ، متفرقين اثنين اثنين ، أو واحدا واحدا ؛ لأن الاجتماع والتجمهر يشوّش الفكر ، وينشر الغوغائية والفوضى ، ويثني الفكر عن الصواب ، ثم ينصح بعضكم بعضا بإخلاص أن ينظر ويتفكر في حقيقة أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به من الكتاب ، فإنكم حينئذ تعلمون أن صاحبكم ليس بساحر ولا مجنون ؛ ليس في أحواله ولا تصرفاته ما يدل على ذلك ، وإنما هو نبي مؤيد من عند اللّه بالمعجزات الدالة على صدقه .
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ
أي وما هذا الرسول إلا منذركم ومخوفكم ما تستقبلونه من عذاب شديد على النفوس يوم القيامة . وجعل إنذاره بين يدي العذاب إشارة إلى قرب العذاب ؛ لأنه بعث قرب الساعة ،
روى الإمام أحمد حديثا هو : « بعثت أنا والساعة جميعا إن كادت لتسبقني » .
و
روى البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : « صعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الصّفا ذات يوم ، فقال : يا صباحاه ، فاجتمعت إليه قريش ، فقالوا : ما لك ؟
فقال : أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبّحكم أو يمسّيكم ، أما كنتم تصدقوني ؟
قالوا : بلى ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فقال أبو لهب :
تبّا لك ، ألهذا جمعتنا ؟ فأنزل اللّه عز وجل :
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ، وَتَبَّ
[ المسد 111 / 1 ] .