تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤

المناسبة :

ما تقدم من أول السورة إلى هنا كان في النبوات ، وما يتعلق بها سؤالا وجوابا ، وأما هذه الآيات فإنها في بيان التوحيد ، ونفي الشريك .

التفسير والبيان :

أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ
أي بل اتخذ المشركون آلهة من الأرض من دون اللّه يحيون الموتى من قبورهم ، أي لا يقدرون على شيء من ذلك ، فكيف جعلوها للّه ندا وعبدوها معه ؟ ! قال الزمخشري : و
أَمِ
هنا - أي مع الاستفهام - هي المنقطعة الكائنة بمعنى « بل » الإضرابية ، والهمزة قد آذنت بالإضراب عما قبلها ، والإنكار لما بعدها ، وهو اتخاذهم آلهة ينشرون الموتى . والمراد بالآية التذكير بخواص الألوهية التي منها إحياء الموتى من قبورهم ، فإن المشركين وإن لم يصرحوا بذلك ، فإنهم بادعائهم الألوهية لها يثبتون تلك الصفة لها . ووصف الآلهة بكونها من الأرض إشارة إلى أنها من الأصنام المعبودة في الأرض . وهذا تهكم بهم وتوبيخ وتجهيل لهم . ثم أثبت اللّه تعالى التوحيد ونفي وجود إله غير اللّه ، فقال :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
أي لو كان في السماوات والأرض آلهة غير اللّه لخربتا وفسد نظامها ؛ لأنهما إذا اختلفا وقع الاضطراب والخلل والفساد ، وإن اتفقا في التصرف في الكون ، فلا داعي للتعدد ؛ لأنه يؤدي إلى وجود الخلق والأمر والمقدور من خالقين قادرين على مخلوق واحد ، وهذا محال ؛ لأنه يجعل وقوع المقدور والمراد للاثنين ، لا لواحد منهما ، وهذا لا يصح ؛ لأن لكل منهما إرادة مستقلة بالتأثير ، فلا يعقل وقوع مخلوق لخالقين . وبناء عليه يكون جميع ما في هذا العالم العلوي والسفلي من المخلوقات دليل وحدانية اللّه تعالى ، لذا قال :
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 34 | وهبة الزحيلي