تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
ولما كان استعجال العذاب وقيام القيامة تكذيبا للنبي واستهزاء به وبوعده ، وهو كفر ، قرن تعالى النهي عن الاستعجال بإثبات التنزيه له عن الشرك والشركاء ، وهو رأس الكفر . ثم أجاب اللّه تعالى عن شبهة ثالثة تتعلق بتكذيب النبوة والنبي ، فقال :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ
أي ينزل تعالى الملائكة بالوحي على من يريد من عباده الذين اصطفاهم واختارهم للرسالة . وعبر عن الوحي بالروح ؛ لأنه يحيي موات القلوب كما تحيي الروح موات الأبدان ، كما قال تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ ، وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ، كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ ، لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
[ الأنعام 6 / 122 ] . واستعمال الروح بمعنى الوحي شائع في القرآن ، كما في قوله تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ، ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
[ الشورى 42 / 52 ] . وقوله :
عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
هم الأنبياء ، كما قال تعالى :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[ الأنعام 6 / 124 ] وقال :
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ
[ الحج 22 / 75 ] وقال :
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ
[ غافر 40 / 15 ] . وهذا رد لقولهم :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
[ الزخرف 43 / 31 ] . وقوله :
مِنْ أَمْرِهِ
يعني أن التنزيل والنزول للوحي لا يكونان إلا بأمره تعالى ، كما حكى عن الملائكة :
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ
[ مريم 19 / 64 ] فلا يستطيع الملائكة فعل شيء إلا بأمر اللّه تعالى وإذنه . ودلت الآية على أن الوحي من اللّه إلى أنبيائه لا يكون إلا بوساطة الملائكة .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 85 | وهبة الزحيلي