تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
وهدف ، واللّه أعلم بما ينزله من القرآن ، ورأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها ، عيّروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقالوا له : إنما أنت مفتر ، أي كذاب ، متقول على اللّه ، تأمر بشيء ثم تنهى عنه ، بل أكثرهم لا يعلمون ما في التغيير من حكمة ومصلحة للناس ، ومراعاة لظروف التغير والتطور ، وأخذ بمبدإ التدرج في تنزيل الأحكام ، فليس محمد بمفتر ، وإنما يفعل اللّه ما يشاء ويحكم ما يريد ، كما قال تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ، أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ البقرة 2 / 106 ] . فردّ اللّه عليهم شبهتهم الواهية آمرا رسوله :
قُلْ : نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ . .
أي قل لهم يا محمد : نزّله ، أي القرآن المتلو عليكم جبريل عليه السلام ، وقد أضيف أي جبريل إلى القدس وهو الطهر من المآثم ، نزّله من ربك بالحق ، أي مقترنا بالصدق والعدل والحكمة ، وأن النسخ من جملة الحق .
لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا . .
أي ليبلوهم بالنسخ ، فيصدقوا بما أنزل أولا وثانيا ، وتطمئن له قلوبهم ، فإذا قالوا : هو الحق من ربنا ، حكم لهم بثبات القدم في الدين وصحة اليقين بأن اللّه حكيم ، فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب . واستعمال كلمة
نَزَّلَهُ
الدالة على أن التنزيل شيئا فشيئا على حسب الحوادث والمصالح ، فيه إشارة - كما قال الزمخشري - إلى أن التبديل من باب المصالح ، وأن ترك النسخ بمنزلة إنزاله دفعة واحدة في خروجه عن الحكمة .
وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
معطوف على محل
لِيُثَبِّتَ
أي إن القرآن بما فيه من نسخ نزل تثبيتا لهم ، وإرشادا وهاديا ، وبشارة بالجنة للمسلمين الذين أسلموا وجوههم للّه ، وأطاعوه ، وانقادوا لحكمه وأمره ، وآمنوا باللّه ورسله . وهذا يدل على أن المسلمين إذا رأوا النسخ ، رسخت عقائدهم واطمأنت