تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
وكذلك لا يدفع الضّرّ إلا اللّه بقوله :
ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ . .
أي إذا تعرّضتم لسوء أو ضرر في أنفسكم من مرض أو خوف أو مشقة ، ونحوها من الضرورات ، فإليه تلجؤون وتسألون وتدعون ، وتلحون في الرّغبة إليه والاستغاثة به لكشف ذلك عنكم ، لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو . وهذا كقوله تعالى :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ، ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ، فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ، وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً
[ الإسراء 17 / 67 ] .
ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ . .
أي ثم إذا كشف الضّرّ عنكم ، وأزال المخاوف ، ووهبكم النعمة والسلامة والعافية ، وفرج البلاء عنكم ، إذا أنتم تفترقون فريقين ، ففريق منكم يبقى على ما كان عليه من الإيمان ، فلا يفزع إلا إلى اللّه تعالى ، وفريق منكم عند ذلك يتغيرون ، فيشركون باللّه غيره في العبادة ، وهذا مثار عجب من فعل هؤلاء ، حيث يقابلون النعمة بالنقمة ، والشكر بالشرك باللّه تعالى . والجؤار : رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة .
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ
هذه اللام إما لام التعليل ، أي قيضنا لهم ذلك ليكفروا أي يستروا ويجحدوا نعم اللّه عليهم ، والمعنى : أنهم أشركوا باللّه غيره في كشف الضّر عنهم ، وغرضهم من الإشراك أن ينكروا كون ذلك الإنعام من اللّه تعالى . وإما لام العاقبة ( الصيرورة ) أي أن عاقبة تلك التضرّعات ما كانت إلا هذا الكفر ، كقوله تعالى :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[ القصص 28 / 8 ] . ثم توعّدهم وهدّدهم قائلا :
فَتَمَتَّعُوا . .
أي اعملوا ما شئتم ، وتمتعوا بما أنتم فيه قليلا في الحياة الدّنيا ، فسوف تعلمون عاقبة تمتعكم ، وما ينزل بكم من العذاب ، وتدركون سوء ما أنتم عليه . وهذا الأمر التهديدي مثل قوله تعالى :
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 155 | وهبة الزحيلي