البشرية ، وهذا لا مؤاخذة فيه شرعا ، فلا يقال : كيف جاز على نبي اللّه أن يكون منه هم بالمعصية وقصد إليها ؟ ودليل رفع المؤاخذة على الهم الذي هو مرتبة دون العزم والحزم
ما أورده البغوي من حديث عبد الرزاق والصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « يقول اللّه تعالى : إذا همّ عبدي بحسنة ، فاكتبوها له حسنة ، فإن عملها ، فاكتبوها له بعشر أمثالها ، وإن همّ بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة ، فإنما تركها من جرائي ، فإن عملها فاكتبوها بمثلها » .
والبرهان الذي رآه : هو برهان اللّه المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم ، أو هو حجة اللّه تعالى في تحريم الزنى ، والعلم بما على الزاني من العقاب .
وقيل : هو تطهير نفوس الأنبياء عليهم السلام عن الأخلاق الذميمة ، وقيل : هو النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش ، وجائز أن يراد كل هذه المعاني ؛ لأنها متقاربة غير متعارضة ، تحقق هدفا واحدا وهو طاعة اللّه عز وجل .
والخلاصة : لم يرتكب يوسف عليه السّلام المعصية قط ، ولولا حفظ اللّه ورعايته وعصمته لهمّ بها . وللعلماء في الآية تفسيران : الأول - إنه لم يهمّ بها لرؤية برهان ربه ، فهو الذي منعه من الهمّ ، والثاني - إنه همّ بمقتضى الطبيعة البشرية ، ثم تنبه للمانع من وقوع المعصية ، ورأى برهان اللّه وتذكره ، مثل قوله تعالى :
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا
[ الإسراء 17 / 74 ] .
وبه تبين وجود الفارق بين الهمين : همها به وهمه ، فهي قد همت بالانتقام منه والتنكيل به ، شفاء لغيظها ، أو همت بمخالطته ، فكان همها المعصية ، وهو همّ عزم وتصميم . وهو قد همّ بالدفاع عن نفسه ، والتخلص منها ، حين رأى بوادر الإقدام عليه ، ولكنه رأى برهان ربه وعصمته التي جعلته يهم بالفرار من هذا المأزق ، فكان همه النجاة منها وهو مجرد حديث نفس وخاطر ، وما هم بالسوء بها لما رأى برهان ربه ؛ لعصمة الأنبياء ، قال تعالى :
كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ