تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
بالنفس أو بالوسائط المعروفة في البر بالدواب والسيارات والقطارات وفي البحر بالسفن والمراكب ، وفي الجو فوق البر والبحر بالطائرات فوق الهواء . حتى إذا كنتم راكبين في الفلك ( السفينة أو السفن ) وجرت بكم في البحر بسبب ريح طيبة مواتية للاتجاه في جهة السير ، وفرحتم بما تحقق لكم من راحة وقطع مسافة ، ثم جاءت تلك السفن ريح عاصفة شديدة قوية ، فاضطرب البحر ، وتلاطمت بالأمواج العالية من مختلف الجهات ، وظننتم أي اعتقدتم أنكم هالكون لا محالة بسبب إحاطة الموج ، فلم تجدوا ملجأ إلا اللّه ، فدعوتموه مخلصين له الدعاء والعبادة والتضرع ، ولم تتجهوا إلى آلهتكم من الأوثان ، وقلتم : لئن أنجانا اللّه من هذه المخاطر الجسيمة ، لنكونن من جماعة الشاكرين النعمة ، الموحدين اللّه ، ثم بعد النجاة عدتم إلى الكفر ، كما قال تعالى في الآية السابقة :
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ ، دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً ، فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ ، مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ
[ يونس 10 / 12 ] . وقال هنا :
فَلَمَّا أَنْجاهُمْ . . .
أي فلما نجاهم من تلك الورطة ، عادوا فجأة إلى سيرتهم الأولى من البغي وإلحاق الظلم بالنفس وبالآخرين ، وكأن شيئا لم يكن ، كقوله تعالى :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ، ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ، فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ، وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً
[ الإسراء 17 / 67 ] . ثم خاطب اللّه الناس البغاة الذين لم يعتبروا ونكثوا العهد مع اللّه :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
أي إنما وبال هذا البغي وجزاؤه وإثمه على أنفسكم في الدنيا والآخرة ولا تضرون به أحدا غيركم ، أما في الدنيا فأنتم تتمتعون به متاعا زائلا لا قرار له ، وأقله توبيخ الضمير والوجدان ، أو المعاملة بالمثل ، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد والبخاري : « ما من ذنب أجدر أن يعجل اللّه لصاحبه العقوبة في الدنيا ، مع ما يدّخر له في الآخرة ، من البغي وقطيعة