تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
الأسارى ، ويقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم ، وإن شئتم قتلوا وسلمتم » فقالوا : نأخذ الفداء ، ويستشهد منا سبعون . وإذا كان التخيير بين القتل وأخذ الفداء ، فكيف وقع التوبيخ بقوله :
لَمَسَّكُمْ
؟ الجواب : أن التوبيخ وقع أولا لحرصهم على أخذ الفداء ، ثم وقع التخيير بعد ذلك . وأما قوله تعالى :
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ
في أنه لا يعذب قوما حتى يبين لهم ما يتقون ، فأصح الأقوال - في رأي ابن العربي والقرطبي - في كتاب اللّه السابق : ما سبق من إحلال الغنائم ، فإنها كانت محرمة على من قبلنا ، فلما كان يوم بدر ، أسرع الناس إلى الغنائم ، فأنزل اللّه عز وجل :
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ
أي بتحليل الغنائم . وبما أن هذه الآية في إحلال الغنيمة ، واستحقاق العذاب بما اقتحموا فيها مما ليس لهم اقتحامه إلا بشرع ، استنبط ابن العربي من ذلك بأن الآية دليل على أن العبد إذا اقتحم ما يعتقده حراما ، مما هو في علم اللّه حلال ، إنه لا عقوبة عليه ، كالمرأة إذا قالت : هذا يوم حيضتي فأفطر ، والصائم إذا قال : هذا يوم نوبتي في سفري فأفطر ، ثم حدث الحيض والسفر فعلا ، ورجح ابن العربي ألا كفارة في هذه الحالة ؛ لأن حرمة اليوم ساقطة عند اللّه ، فصادف هتك حرمة الصوم محلا لا حرمة له في علم اللّه ، فكان بمنزلة ما لو قصد وطء امرأة قد زفّت إليه ، وهو يعتقد أنها ليست بزوجة ، فإذا هي زوجة . وهذا رأي أبي حنيفة . ومشهور مذهب المالكية والشافعي أن فيه الكفارة « 1 » . والمعنى الراجح لقوله :
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ
في رأي الرازي : لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم .
هامش
( 1 ) أحكام القرآن : 2 / 872