تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
قوي غالب على أمره ، لا يغلبه خداع الخادعين ، ولا مكر الماكرين ، ولا يخيب رجاء من توكل عليه ، حكيم في أفعاله وأحكامه . وذكر الحافظ أبو بكر البيهقي عن ابن عباس قال : « قرابة الرحم تقطع ، ومنة النعمة تكفر ، ولم ير مثل تقارب القلوب » يقول اللّه تعالى :
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
. وبعد أن وعد تعالى رسوله بالنصر عند مخادعة الأعداء ، وعده بالنصر والظفر في جميع الحالات في الدين والدنيا ، فلا تكرار ، فقال :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ . . .
أي إن اللّه كافيك ما يهمك من شؤونهم وناصرك ومؤيدك على عدوك ، وإن كثرت أعداده ، وتزايدت أمداده ، ولو قلّ عدد المؤمنين ، وحسبك وكافيك من تبعك وآمن بك من المؤمنين . لكن وإن كان يكفيك اللّه بنصره وبنصر المؤمنين ، فلا يعني ذلك تعطيل الأسباب والأخذ بالوسائل المطلوبة عادة للقتال ، فلا تتكل على ذلك وحده ، وإنما عليك أن تحرض المؤمنين على القتال ، فإنه تعالى يكفيك بشرط أن يبذلوا النفس والمال في المجاهدة . والتحريض : الحث على الشيء . ثم قال :
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
وليس المراد منه الإخبار ، بل المراد الأمر ، كأنه قال :
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ
فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى
يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
أي إن يوجد منكم عشرون صابرون ثابتون في مواقعهم ، يغلبوا بإيمانهم وصبرهم وفقههم مائتين من الكفار ليست عندهم هذه الخصال الثلاث ، لذا قال تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
أي أن السبب في هزيمة الكفار أنهم قوم جهلة لا يدركون حكمة الحرب كما تدركونها ، فهم إنما يقاتلون بقصد مجرد التفوق والاستعلاء ، وأنتم تقاتلون لإعلاء كلمة اللّه ، من إصلاح العقيدة ، والتطهر من الوثنية ، والتحلي بالأخلاق الفاضلة ، وإظهار