تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
والمراد بالمسجد الحرام : جميع الحرم كما هي عادة القرآن ، إلا ما استثني ، فالعندية فيه على حذف مضاف أي قرب المسجد الحرام . فهؤلاء حكمهم أنهم ما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ، أي فما أقاموا على الوفاء بعهدكم ، فأقيموا لهم على مثل ذلك . فأما من لا عهد له فقاتلوه حيث وجدتموه إلا أن يتوب . وهو كقوله :
فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ
غير أن الكلام هنا مطلق ، والآية النظير مقيدة . وأعيد ذكرهم هنا لبيان أنه يجب أن تكون الاستقامة على العهد مرعية من الطرفين المتعاقدين إلى نهاية المدة ، وأما غيرهم فينبذ عهدهم . ثم أكد اللّه تعالى ضرورة الوفاء لهم بالعهد بقوله :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
أي يرضى عن الذين يوفون بالعهد ، ويتقون الغدر ونقض العهد . وهذا تعليل لوجوب الامتثال ، وتبيين بأن مراعاة العهد من باب التقوى ، وإن كان المعاهد مشركا . ثم كرر اللّه تعالى قوله :
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا
لاستبعاد ثبات المشركين على العهد ، أي كيف يكون لغير الذين يوفون بعهدهم عهد مشروع محترم واجب الوفاء عند اللّه وعند رسوله ؟ والحال أنهم إن يظفروا بكم ، لم يراعوا حلفا ولا قرابة ولا عهدا . وهذا تحريض للمؤمنين على معاداتهم والتبري منهم ، وتبيان أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد ، لشركهم باللّه تعالى وكفرهم برسوله ، ولأنهم إن تغلبوا على المسلمين لم يبقوا ولم يذروا ، ولا يراعوا فيهم إلّا ولا ذمة أي حلفا وعهدا . ومن خبثهم وضغينتهم أنهم قوم مخادعون يظهرون الكلام الحسن بأفواههم ، وقلوبهم مملوءة حقدا وحسدا وكراهية :
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
[ الفتح 48 / 11 ] وأكثرهم فاسقون أي متمردون لا عقيدة تزعهم ولا مروءة تردعهم ،
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 119 | وهبة الزحيلي