تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
وشبّه حال كل كافر بحال رجل عرف آيات اللّه ، ثم تركها وراء ظهره ، وهذا ينطبق على بلعم بن باعوراء أو غيره ممن اتصف بهذه الصفة ، فلم تعين الآية اسم من ضرب به المثل ، وحينئذ لا يهم سواء أكان ذلك مطابقا لبعض الروايات بأنه رجل من بني إسرائيل أم الكنعانيين أم أهل اليمن ، أم من غيرهم . وتكون الآية تحذيرا للناس عن اتباع أهوائهم ، وركونهم إلى الدنيا وشهواتها ، واتباع الأغراض الدنيئة ، وترك ما أرشدتهم إليه آيات الله من الإيمان باللّه وبرسوله وبالآخرة . والآية واضحة الدلالة على أن المعرض عن آيات الله ، واقع في الضلالة والغواية ، بسبب سوء فعله ، واختياره العمل بما هو قبيح شرعا ومروءة . وعلى الإنسان الاعتبار بهذه القصة ، والتأمل والتفكر في آيات الله بعين البصيرة والعقل ، لا بالهوى والحقد والعداوة . وفي إيراد هذا المثل والتشبيه بالصورة الواقعية إشارة إلى أن للأمثال تأثيرا قويا في إقناع السامعين ، وأنها أقوى أثرا من إيراد الحجج والبراهين . وفيها إشارة أيضا إلى أهمية التفكر ، وأنه مبدأ الوصول إلى الحقيقة والعلم والمعرفة الصحيحة ، كما قال تعالى في مناسبات كثيرة في كتابه ، مثل :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
[ الزمر 39 / 42 ] ومثل :
كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
[ يونس 10 / 24 ] . وهذه الآية - كما قال الرازي - من أشد الآيات على أصحاب العلم ، فإن العالم إذا لم يعمل بعمله ، حرم بركة العلم ، وكان بعده عن اللّه أعظم ، كما نقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال فيما رواه الديلمي في الفردوس عن علي رضي اللّه عنه : « من ازداد علما ، ولم يزدد زهدا ، لم يزدد من الله إلا بعدا » أو كما قال .