تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
عنها ، ولأن قولهم لو كان صحيحا لما عاقبهم اللّه تعالى على كفرهم ؛ لأن اللّه عادل ، فلو كانت أعمالهم المكفّرة صادرة عنهم بإجبار أو إكراه وقهر ، لما استحقوا العقاب عليها ، ولما كرر تعالى قوله في القرآن مثلا : أخذناهم بذنوبهم ، وأهلكناهم بظلمهم وكفرهم . وهو معنى قوله :
حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا
أي حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم ، مما يدل على أن كفرهم وتحليلهم وتحريمهم كان باختيارهم وإرادتهم ، وإن كان اللّه تعالى قادرا على تغيير موقفهم ، بأن يلهمهم الإيمان ، ويحول بينهم وبين الكفر ، وأن ذلك الموقف هو أيضا بإرادة اللّه ؛ لأنه لا يقع شيء في الكون بدون مشيئة اللّه وإرادته . ثم أمر اللّه تعالى رسوله أن يطالبهم بالبرهان على ما زعموا فقال :
قُلْ : هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ . . .
أي هل لديكم أمر معلوم وبرهان واضح يصح الاحتجاج به فيما قلتم ، فتخرجوه لنا أي تظهرونه وتبينونه لنا لنفهمه ؟ وهذا الاستفهام تهكم وإظهار بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة ، وتوبيخ لهم على ما يزعمون . وحقيقة حالهم هي ما قال تعالى :
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ . . .
أي لا حجة ولا برهان على ما تقولون ، وما تتبعون إلا الوهم والخيال والاعتقاد الفاسد ، وما أنتم إلا تكذبون على اللّه فيما ادعيتموه . ثم أثبت اللّه تعالى لذاته الإتيان بالدليل الساطع المبين للدين الحق فقال :
قُلْ : فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ . .
أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين الجاهلين بعد إفلاسهم وعجزهم عن الإتيان بدليل مقنع : للّه تعالى الحجة التامة الكاملة على ما أراد من إثبات الحقائق وإبطال الباطل ، وتقرير أصول الاعتقاد ، وتشريع الأحكام الصائبة ، وإلغاء ما تذهبون إليه بالآيات الكثيرة والمعجزات التي أيد بها الرسل .