تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
الناس وقالوا : لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة ، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة ، حتى نزلت :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ
فصارت حراما عليهم حتى صار يقول بعضهم : ما حرم اللّه شيئا أشد من الخمر . وبه يتبين مع ما ذكر في أسباب النزول المتقدمة والأحاديث الواردة : أن شرب الخمر قبل هذه الآية كان مباحا معمولا به معروفا عندهم ، بحيث لا ينكر ولا يغيّر ، وأن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم أقر عليه ، وهذا مالا خلاف فيه . 4 - فهم الجمهور من تحريم الخمر ، واستخباث الشرع لها ، وإطلاق الرّجس عليها ، والأمر باجتنابها ، الحكم بنجاستها . وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي ، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين ، فرأوا أنها طاهرة ، وأن المحرم إنما هو شربها . وقد استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة ، قال : ولو كانت نجسة ، لما فعل ذلك الصحابة رضوان اللّه عليهم ، ولنهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنه ، كما نهى عن التخلي في الطرق . وأجاب القرطبي : بأن الصحابة فعلت ذلك ؛ لأنه لم يكن لهم سروب « 1 » ولا آبان يريقونها فيها ، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم . وأيضا فإنه يمكن التحرز منها ، فإن طرق المدينة كانت واسعة ، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرا يعم الطريق كلها ، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها . وقوله تعالى :
رِجْسٌ
يدل على نجاستها ؛ فإن الرجس في اللسان العربي : النجاسة ، ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم حتى نجد فيه نصا لتعطلت
هامش
( 1 ) السرب : حفيرة تحت الأرض .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 44 | وهبة الزحيلي